ليلى والذئب

بعد نهار طويل في المكتب حيث تعمل كمساعدة ادارية، رجعت ليلى الى البيت حيث حضّرت الغذاء، ساعدت أولادهما كريم وايمان في انجاز دروسهما. الساعة الثامنة مساء، ولم تكد تنهي وضع الطعام بانتظار راغب، زوجها، حتى دخل هذا الاخير البيت حاملا كيس بيده باسماً وكأنه وجد شيئاً ذو قيمة، أعطاها الكيس هامساً في اذنها كلاماً أزعجها ثم دخل غرفة النوم بعد ان وزّع قبلاته الابوية على أولاده الثلاثة. راغب موظف في وزارة العمل، وبعد الدوام السيد راغب يعمل بشكل غير قانوني في مكتب هندسي في بيروت حيث يقوم بتنفيذ مجسمات هندسية، ويتباهى بكونه المجاز بالمحاسبة والمهندس بالخبرة والموهبة

نصف ساعة مرّت وليلى جالسة على الكنبة تشاهد التلفزيون وفكرها مشتت في مكان آخر، لا مدى ولا مجال لهذه الافكار التي راودتها، مع انها أصبحت اليوم أقوى وأهم في عملها غير انها اصبحت أضعف وأوهن في منزلها. خرج راغب من الحمام مرتديا بيجامة النوم، وجلس على الطاولة يتناول أطايب زوجته ناظرا اليها نظرة مكر وخبث، وكأنه ينهش جسد ليلى ويرتعش نشوة مع كل ملعقة وكل غرفة من هذا الطعام الذي حضّرته ليلى…

يأتي الاولاد طالبين من الوالد بعضا من حنانه و”مصرياته” للصرف في المدرسة…. يفوق راغب كمن أفاق من حلم جميل الى الواقع ويقول: “يا ولاد المصاري مع امكن، روحو لعندا خدوهن”. وللعلم أن راغب لا ينفق على الاولاد اذ وحسب “نقّه” الايجار والسيارة وفواتير الكهرباء والتلفون و”بعض مصروف” البيت، كل هذه تحرق مدخول الاخير… ويبقى ان تصرف ليلى  مقدار 10% من المعاش الذي تتقاضاه كمصروف خاص، والباقي للبيت والاولاد…. فالمرأة لا تعمل الا لكي تساعد زوجها في مدخول البيت… وقد شهد البيت صولات وجولات بين راغب وليلى عن هدر الاموال وعدم التزام الرجل بالصرف على المنزل كما توجبه الشرائع الدينية والاجتماعية ، بل وقيام الاخير بالخروج مع رفاقه الى اماكن حيث يصرف أمواله لا تعرف ليلى على من أو بأي مناسبة. ومنذ البداية انتصر منطق راغب، منطق الاقوى هو المنطق الافضل… ومنذ البداية وليلى تشاكس وتحاول كي تغيّر الواقع ومنذ البداية يفوز منطق راغب

في العاشرة مساء دخل كريم الى النوم وكانت شقيقته قد سبقته و”خلت” الساحة الا من الزوجين، ليلى المنهكة والمتشتتة وراغب التعب لكن الباسم ابتسامة المكر التي ما فارقته منذ أدخل الكيس الى البيت. قام راغب باتجاه زوجته ماسكا يدها قائلا:”يللا حياتي البسي التياب اللي جبتن” سحبت ليلى يدها من يد راغب بحركة لا ارادية تنم عم الاشمئزاز:”تركني، اليوم ما فيني. بعدين انا مش شرموطة لتجبلي هيك تياب من البار تألبسن.” فجأة لملمت ابتسامة المكر عن وجه راغب اذيالها تاركة للذئب فيه ان يحرّك مشاعره وتصرفاته: “ليكي يا ليلى، صرلي تلات ليالي نايم بلا شي…. انقبري حسّي عدمّك وفوتي معي وكسري الشر

والله ما بتمد ايدك الليلة عليي، يا راغب، يا الله ارحمني، ما فيني عم قلّك. هلكت بالشغل اليوم وقرفانة..” قالتها بطريقة يائسة وهي تعرف ان زوجها قد “سطّل” ولم يعد يرى فيها سوى صورة الانثى المثيرة للغرائز الشهوانية فيه”.

راغب الهائج صارخاً: “ولك يا مرة ما الله اللي عطاني هالسلطة. خلصينا وانقبري عالتخت يللا… بعد ما فار حليب النور

عاندت ليلى معارضة معارضة بائسة قبل ان تتلقى من راغب “دفشة” من خلف مع “نخعة” على رأسها كافية لتطرحها على أرض غرفة النوم، حيث اتى “الرجّال” راغب عليها مفرغاً كل ما فيه من طاقة كامنة ناسياً الثياب والاولاد وما يمكن ان يحصل وكل ما بادرته ليلى كانت الدموع، لم تعد تطيق….. ليلى عانت منذ زواجها علّة عنف وعدوانية راغب الجنسية والشهوانية، ولم تستطع بعد ان تخرج من القمقم الذي وضعت نفسها فيه حماية لعقلها ولإنسانيتها…. ليلتها لم تعد تطيق، انكسر القمقم…

في اليوم التالي لم تذهب ليلى الى العمل، بل ذهبت الى اهلها مصارحة امها ببعض ما حصل لها، حاملة معها ندبات وتخثّرات دموية على وجهها ومختلف انحاء جسمها، وخيبة من رجل ظنت انها تستطيع تغيير عقليته…. بتعاسة ردّت الام:” يا بنتي زوجك الو حقوق بالدين وبالطبيعة، يا حبيبتي انا هيك ربيت وامي هيك ربيت، شو بدّك تغيري الطبيعة؟؟

اما رجل الدين فجاوبها قائلاً: “يا بنتي لا تقاومي، انت لما تعطي حالك لزوجك بتكوني عمبتساهمي بالايمان والقوة بهالعالم. الرجّال بيشتغل كل النهار وبيأمّن حياة العيلة، يا بنتي ارادة الله أقوى من أنو نشارعا ونسأل عنها

ومنذ ذلك اليوم، أقسمت ليلى بألا تسكت عن ضغينة…. واجهت راغب الليلة التالية، نالت نصيبها ولم ينل مراده… ليلتين بعدها كانتا كافيتين لكي يذهب “الرجّال” الى المحكمة طالباً اعلان فسخ الزواج

هكذا واجهت ليلى بفعلها منظومة اجتماعية دينية قانونية متأصّلة عاقبتها، بأن تم فسخ الزواج واعطاء حق الحضانة للوالد……….. بعد اعلان الحكم، تقدّمت أمها منها:”لو سكتتي كنت حافظت على عيلتك وبيتك…..شوفي وين صرتي

بمناسبة الحملة الوطنية لقانون حماية النساء من العنف الأسري بتنظيم من جمعية “كفى” والمجتمع المدني اللبناني

.

2012 صباح الخير

مداخلة صغيرة وبسيطة

انه العام ٢٠١٢ يطل علينا، وسبقته اعترافات وتوقعات المنجمين الذين وسّعوا مستوى توقعاتهم، فبعدما كان الوضع اللبناني – الامني بدرجة اولى – هو الشغل الشاغل، ها هو “الربيع العربي” بكافة ارتداداته الحاضرة والمستقبلية يدخل في حساباتهم الصورية كما الفلكية

مراجعة للعام ٢٠١١ لاستشراف مآسي العام ٢٠١٢: كما تعلمون سقطت دكتاتوريات متجذرة في العالم العربي كما اهتزت معظم اركان الانظمة السياسية في العالم أجمع، تلك الانظمة التي تقمع شعبها او لنقل قسما منه، كما انتقل الى رحمته  العقيد القذافي مجردا من انسانية لم يعترف بها اثناء حكمه فنتناولته فظاعة الثأر الهمجي قتلا وتشهيرا. بن علي ومبارك وصالح أصبحوا من الماضي الذي سيكافح الشعب لتعقيم سمومه من المجتمع. الاسد والبشير وغيرهما على اللائحة يقتلان التغيير المنتظر وينتظران المفاوضات مع الغرب وأولي الامور وفي الوقت الضائع بضع آلاف من القتلى لا يضير السمعة ولا التاريخ ، وبالاضافة الى الخوف المتصاعد من باقي الرؤساء والملوك والامراء والشيوخ من تسونامي غير منتظر  لا تحمد عقباه. شخصيا أكثر حدث  اثارة وتقدير هو انخراط الاخوان المسلمين افي الساحة السياسية من خلال الانتخابات في المغرب، تونس ومصر تحت اسماء مستعارة: “العدالة والتنمية” ، كما ان السلفيين في مصر ،غيرها اختاروا اسم النور والله يعين

  ان يغيّر الاخوان المسلمون اسمهم الرسمي الى اسم الحزب الحليف التركي فتلك خياراتهم غير ان المضحك المبكي ان يصير الاخوان المسلمين في مصر وتونس “معتدلين” في مواجهة “حلفائهم” السلفيين ؟؟؟ كل هذه التناقضات جعلت رأسي يدور ويدوّر عن لخيط الابيض من الخيط الاسود، حتى اكتشفت ان اكثر الناس وبالتحديد السياسيين احتيالا ومكرا هم الاسلاميين، او هم الطائفيين، او هم حاملي كتب الدين والمجرّدين من أي التزام اخلاقي او انساني تجاه اخوتهم في الدين قبل المواطنين الآخرين، فاذا كان الافيون وسيلة “تسطيل” لا شك ان الدين كما يستخدمه هؤلاء هو “التسطيل” بعينه

الاستعراض السابق لما حدث في العام ٢٠١١ يحيلنا الى العام ٢٠١٢ والخيارات الموجودة، تفاءلوا بالخير تجدوه ؟؟ فاذا كان الخير هو الكذب والنفاق السياسي والديني والاجتماعي، تأملوا خيراً، ولنا وقفات في العام القادم وما يليه ……

٦٨ عام من الاستقلال …… آخ يا بلدنا

اقرأ المزيد »

و هلّّّّأ لوين؟؟…. ضجّة زايدة؟؟

ملصق الفيلم

أدى اطلاق الفيلم اللبناني الاخير للممثلة والمخرجة نادين لبكي الى “عجقة” كبيرة في الوسطالسينمائي والشبابي في لبنان وخاصة ان الفيلم نال جائزتين دوليتين ويمكن أو أنه تم بالفعل ترشيحه لأوسكار….. وهنا القصة، دغدغة الشعور اللبناني بالمشاركة والتفوّق العالمي.

ولكن منذ اللحظة التي ابتدأ فيها الفيلم كان أشبه بظاهرة صوتية،  ف”كليشيهات” السينما اللبنانية حاضرة فيه، من النسوة اللواتي تطلقن الشتائم والكلام الشوارعي (من دون زعل) الى الرجال الذين يسخسخون من اول هزّة خصر… وبعدها تأتي شخصية الممثلة الرئيسية في الفيلم “أمال” (نادين لبكي) تلك الشخصية التي تؤثر في الأحداث من خلال صنعها وافتتاحها القسم التراجيدي في الفيلم، فهي وبعكس كل نساء الضيعة، هي الجميلة والمستقلة والمثقفة، كما انها التي تتولى الترجمة بين حبيبها المفترض وبين الفتاة الروسية. كما ان كلمتها هي المسموعة بين النسوة والرجال، وهي ايقونة الضيعة الغالية التي ان ابتسمت ابتسمت القرية معها وان زعلت تجهّمت. اتمنى الّا أكون “زدتها” على نجمتنا الصاروخية، التي بالمناسبة يمكن ان تصبح يوماً ما “سيدة” وسفيرة لبنان الى شي مجرّة من هالمجرّات

    كما ان مشاهد الفيلم قصيرة فتكاد المشاهد القصيرة المتتالية والتي لا طعم لها سوى ملء الدقائق وتحضير المشاهد لكوميديا خفيفة لا تضحك – وهنا بعض الجمهور السمج يزيد من سماجة الكوميديا فيه – الى تراجيديا قوية غير منتظرة و لربما تكون غير محببة (رأي شخصي). وتكاد ساعة تمر قبل ان تدرك ان للفيلم هدف غير الضحكة الخفيفة وهمّ اهل الضيعة بالحصول على اشارة تلفزيونية او بضاعة من “الخارج” الغريب والعدائى. مشاهد رتيبة بعضها غير مترابط، أذكر مثلا مشهد العنزة وراعيها الذي يبكيها، او مشهد اهل الضيعة حين يشاهدون المشاهد الخليعة على التلفزيون….  كما فكرة “الغريب” “الذي لا وجه له” الذي يضمر الفتنة، والذي ظهر منذ ما قبل زياد، الى زمن زياد الرحباني، الى يومنا هذا تأتي فكرة الغريب الذي “يحرتق” بالطائفية ويشعل نارها. أنّو عطول أهل الضيعة – أهل البلد – بريئين وهناك غريب ما يسعى للفتنة….. فكرة تقليدية جداً ودبلوماسية

وبالانتقال الى الجانب الايجابي هناك بعض الامور الايجابية، زولها الموسيقى اذ أنّها الجانب الابرز من الفيلم والتي نجحت في تخفيف الملل فيه. كما ان التصوير كان موفّقاً ،محترفاً وهذا شيء جميل. والاهم آن القصة بذاتها جميلة، فواقع ان الرجال يتقاتلون والنساء تدفع الثمن من أعصابهن وأولادهنّ هو حالواقع، كما ان سعة عقل النسوة وتقدّمهنّ على الرجال من حيث التفكير الاستراتيجي لهو أمر جميل ومثير للفرحة. كما ان الذي جعل الفيلم مهضوم ومقبول هو وجود بعض الشخصيات الثانوية التي أثّرت وأثرت المشهد العام، مثل ايفون زوجة المختار، وبقية النسوة اللواتي يمثّلن دوراً مفهوماً وجميلاً، الى والدة الولد الذي يموت (؟؟؟) والتي أدّت دوراً رائعاً تستحقّ عليه الجائزة. ولعل ما أنتجه فكر النسوة في النهاية هو الأجمل، من ناحية تغيير الديانات، فهي تبرز ظاهرة الطقوس الدينية ومركزيّتها في المشروع الديني وصعوبة النقلاب عليها ممّن تعوّدها وأدمنها. فهذه اللفتة كانت موفّقة

المحصّلة العامة ان الفيلم ليس فيلماً مميزاً أو أنّه فيلم تاريخي، هو فيلم عادي تضافرت الموسيقى والتصوير وخفّة دم بعض الشخصيات الثانوية بالاضافة الى فكرة الثورة النّسوية اللاعنفية على الذكورية العنفية الى رفعه الى معدّل الافلام “الطبيعية” التي يمكن ان تشارك في المهرجانات الدولية، بالآخر جايزة بالزايد مش غلط

ملاحظة: النقد عادي، وصاحبه لا يحمل غير الحس الفني البسيط والطبيعي. اقتضى التوضيح

الفيلم: وهلّأ لوين؟

اخراج: نادين لبكي

الموسيقى: خالد مزنّر

السيناريو: نادين لبكي، جهاد حجيلي، رودني حداد

via http://www.listenarabic.com

بين التحرير و وول ستريت

لأول مرة منذ …. منذ زمن ابن رشد، يكون للفعل والفكر العربي تأثير على الصعيد العالمي، الضمير والانسانية. لأول مرة يصدّر العرب غير الدكتاتورية والتعنّت. هذه المرّة لا يتناول الاعلام الغربي والعالمي الشارع العربي من منطلق عدائي، ولا يتناوله بردّات فعله فقط. بل بتصويره على حقيقته: شعب مسحوق انتفض وقام وثار وعلّم كل العالم كيف تكون الثورة سلمية….
تفاجأ العالم حين قامت المظاهرات التونسية ولم تقعد وكان هدفها واضح: اسقاط رأس النظام، وكان لها ما أرادت… وكرّت السبحة، مصر أم الدنيا، ونزلت الجموع ،كان السؤال: هل يسقط الفرعون المترهّل؟ وسقط الفرعون…. ولكن لم يسقط النظام، وما زالت القاهرة في ميدان التحرير. فكانت التسمية الرسمية: الربيع العربي… وتأزّمت المخارج وسالت الدماء… الجزائر، المغرب، ليبيا، اليمن، البحرين، سوريا، الاردن، العراق… دول لم يوفّرها الربيع من نسماته الدافئة التي تتفتّح فيها أزهار الياسمين الطريّة. وانتقل العرب والشباب العربي بأقل من سنة من مشاهد للعالم يسير وهو ينتظره على قارعة الطريق، الى نجم الاضواء المطلق الى حد جعل العالم يتابع ويلحق بهذا الشعب الجبار مندهشاً.

من مخلّفات ما جرى وما يجري في الربيع العربي هو ما يحدث من تداعيات نتيجة لهذا الربيع في خارج الاراضي العربية… سجّل معي: فنزويلا، ايران، الصين، اوروبا بالعديد من دولها… المملكة المتحدة، والاهم…. الولايات المتحدة…. ومن هنا البداية…

روّجت الولايات المتحدة منذ هزيمة المعسكر الشيوعي لنظرية سيطرة الرآسمالية و سقوط الشيوعية، بالتالي أي شكل من أشكال التوجيه الرسمي للنشاط الاقتصادي. وظهرت أيضاً نظرية صدام الحضارات وما رافقها من تنظير فكري لتفوّق الغرب وتطبيق عناصر هذه النظرية في العلاقة بين الغرب “المتحضّر” وبين الشرق الملتحي المتأسلم الارهابي على حد تعبيره. عند هذا الحد كان العالم مقتنعاً ان النظام العالمي الجديد قد أرسى ركائزه وان الوقت الحالي هو لتعميم الصورة الرأسمالية الاستهلاكية في العالم الجديد. واستسلم العالم باستثناء البعض من أصحاب النظريات الذين أصرّوا على اعتبار المرحلة مخاض لا بد ان يتأتّى عنه نظام هجين… ومنذ انهيار النظام الشيوعي وحتى اليوم تسارعت الاحداث: من حرب الخليج الثانية أو عاصفة الصحراء التي أمّنت السيطرة المطلقة السياسية والعسكرية والمالية للعم سام، الى معركة دخول العراق العام ٢٠٠٣ وسيطرة الاميركي لوحده على الارض العراقية وما تبعها من انحسار مادي ومعنوي للقوة الاميركية على الارض وتفلّت اسلامي ارهابي، مقابل صعود الروسية الجديدة بقيادة القيصر الروسي المتردّد خارجياً، بوتين. والانطلاقة الصاروخية الاقتصادية للصين الصناعية، القوة الاقتصادية الاهم… دخل العم سام على العام ٢٠١١ مثقل بالجراح الافغانية والعراقية بالاخص ويعاني التهابات مزمنة في الحركة جعلته مقعد، بالاضافة الى تداعيات السقوط المدوي للنظام الرأسمالي بعد الانهيار الكبير للاسهم العام ٢٠٠٨ وما تبعه من تدخّل من الخزينة الاميركية ودافعي الضرائب لانقاذ كبريات الشركات المالية المضاربة والزلازل الارتدادية التي أصابت العالم من اقصاه الى اقصاه وجمّدت النمو العالمي.
وفي هذا الخضمّ أشعل البوعزيزي النار في نفسه عن قصد أو غير قصد احتجاجاً على الظلم وانعدام الافق الاقتصادي، مشعلاً الثورة التونسية ومعها الربيع العربي الذي أهم أسبابه: انعدام العدالة الاجتماعية، انعدام الفرص للشباب المتعلّم، انعدام الأمل للملايين من الاسر التي لا تحسّن دخلها… وتمدّد الربيع وأصاب صقيع أوروبا اذ انقشع الضباب عن لندن على مظاهرات عنيفة تطالب بالعدالة وتأمين الفرص اللعاطلين عن العمل.
،منذ فترة قصيرة انتشرت حملة “سوف نقوم باحتلال الوول ستريت #occupyWallStreet” وبنفس الوسائل الالكترونية التويترية والفايسبوكية انطلقوا ليشكلوا التهديد الاول والاكبر لسلطة الولايات المتحدة وهيمنة شارع المال على سياسات البيت الابيض. ولعل أبرز الشعارات هو واحد: واحد بالمئة تملك ٩٦٪ من مقدرات البلد…. ،الدعوة هي لتصحيح الحال.

دقيقة لمراجعة الشعارات: هناك في الولايات المتحدة من يروّج لشعارات شيوعية وتنادي بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا بذاته  … جميل

في العقدين الاخيرين راحت السلطات المتعاقبة في الولايات المتحدة الاميريكة تروّج لفكرة الصراع الحضاري والهوّة الثقافية بين الغرب والشرق، الشمال والجنوب حتى ان العالم صدّق الخبرية وعاشها بحذافيرها كما أرادت الانستيتيوت الاميركية المرموقة…. وكأني بهذه السلطة نسيت ان الاقتصاد هو عصب السياسة والحياة والتطوّر…. ومهما تواجهت الايديوليجيات فلن تتمكّن من المواجهة بجيوب فارغة وشباب عاطل عن العمل وبنوك لا تستخدم رساملها.

في العام ٢٠١١ تتغيّر القواعد: فمن “هم ونحن” بالاشارة الى الفارق العرقي والديني…. الى “هم ونحن” بالاشارة الى من هم يتمتّعون بال ٩٦٪ على حساب الشعب العامل. والثورة هذه المرّة داخل الاراضي الاميركية…. فهل تتحقّق نبوءة كارل ماركس؟
بالاضافة الى ما سبق، لا بد من ذكر ما حصل في شوارع لندن والعديد من المدن الانكليزية حيث قامت المظاهرات الصاخبة ولم تقعد مطالبة بالتصحيح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وقد خرجت عن سلميّتها ما أدى الى أضرار سلبية.

العالم يتغيّر والامور تسير في منحى تصاعدي، والارقام الاقتصادية العالمية لا تبشّر بخير، فهل تكون الحركات الشبابية الحالية مجرّد رد فعل على ضائقة مادية وانعدام فرص العمل، أم أن الامر فيه تموضع اجتماعي-اقتصادي يؤسس لمرحلة جديدة يكون عمادها “التصحيح الرأسمالي”؟
من احتلال وول ستريت الى المظاهرات العالمية في أكثر من ٧٠٠ مدينة كلها في الشمال والغرب الغني…. فلننتظر نراقب ونرى.

جوبز….. وداعاً

 

اجتاحت اليوم هستيريا الحزن والمواساة واظهار المشاعر على التويتر بالاخص…. والحدث جلل، انه ستيف جوبز… رحل ستيف جوبز…

للعلم فقط، ستيف جوبز من مؤسسي شركة آبل Apple العالمية صاحبة الانجازات المشهورة والمعروفة. وهو من أدخل حرف الآي (I)  الى الاجهزة الالكترونية : iMac, iPad, iPod, iPhone . ومعه أصبح لل “آي” معنى آخر يدل على التواصل والتميّز والتألّق. اصبح لهذا الحرف رنين مختلف وطلّة تحسده عليها باقي حروف الابجدية. اختلف التصنيف وبدل ان تكون الالف أو ال (A)  في اول السطر واول الكلمة، استبدلها جوبز ومعه العالم بال”آي”.

من هذا المنطلق لعل ابرز المحزونين على غياب جوبز هي ال”آي”…. ولو كان لديها صوت أو تويتر بروفايل أو حتى مدوّنة لكانت كتبت بجوبز المطوّلات والمدائح ولكانت فرشت التويتر (هاش تاغ)ات تبكي الراحل. ولو كانت لدي المقدرة على ولوج كتاب الاحرف ومعجمها لفتّشت عن ال”آي” وطلبت منها ان ترثي جوبز وأقوم أنا بنقلها سكوووب صحافي يعطي مدوّنتي الآلاف من القراء …. ال”آي” يتيمة وما من حرف يأتي لمواساتها…. ما أصعب الحياة حين تكون في القمة يحسدونها وحين تبتلي يتركونها في دموعها…..

اتى خبر الرحيل المفاجئ لجوبز، ثالث ثالوث التفاحة المقدسة عبر التاريخ، وهذه الملاحظة أستعيرها من تويتر: ثلاثي التفاح، آدم، نيوتن وجوبز، ثلاثي غيّر وجه التاريخ. آدم علّمنا ان المرأة تهوي بنا من الجنة، نيوتن علّمنا ان المرأة مصدر لوجع الرأس، وجوبز ذكّرنا ان المرأة التي هوت بنا من الجنة وهي مركز “الثقل” هي من مصدر الهامنا….  المهم ان الخبر اتى صاعقا على التويتر حيث اتشح الموقع بالهاشتاغات المعزّية وبرقيات التعزية من مختلف أصقاع الكون حيث يصل الانترنت…. وفجأة أصبح العالم يبكي جوبز، من عرفه ومن لم يسمع عنه، كل من اقتنى جهاز من آبل افتتح مناحة ومبكى وكتاب تعازي…. واصبحوا على الطريقة العربية القويمة: “عهدا علينا لن ننساك، غبت جسداً وباق روحاً، تعالوا نفرح بما أنتجه جوبز….” وكأنّي بجوبز أصبح قائداً ام زعيماً عربياً أو قائد قبيلة ما في هذا العالم المتخلّف حيث انه العقل والقلب والبوصلة والقبلة…..

ملاحظة: المقالة ترفيه بسيط عمّا رأته عيناي منذ الصباح، مع الاحترام والتقدير لستيف جوبز وأفعاله البيض على بين البشر، وأتقدّم بالمناسبة بالتعزية من آل جوبز الكرام عسى الله يعينكم على مصابكم الاليم، ونعلن وقوفنا نحن مستخدمي ال”آي” فون وأخواتها بالاضافة الى ال”ماك اير” بجانب الشركاء في آبل العظيمة معلنين الولاء الكامل للقيادة الجديدة التي ستكمل نهج الراحل باذن الله تعالى…. وانا لله وانا اليه راجعون.

جمّلتك كلماتي

جمّلتك كلماتي حين كتبتك

رواية في ليل طويل يحبو

قصيدة في اوراق دفتري

فيها الاوراق تفتخر

جمّلتك كلماتي يا امرأة

فأصبحت للنورس بحره

وللصحراء رمالها

وللعود…..ريشته والوتر

جمّلتك كلماتي

متخمّر معك العنب الى خمر

معتّق في السراديب

يتعبّده الساقي والنديم….والسكر

جمّلتك كلماتي يا قبيحة

فتحولت من ثقل مادي ارضي

الى انوار لها الازهار تتفتّح

عند الغروب مرثاتك تكتبها

الأرض والسموات فيتقمّص فيك الفجر.

جمّلتك كلماتي وأفكاري

فانتقلت من دمعة طفل على نعش

الى عروس في زفافها تحتفل

وتحفر بدمعتها في كتاب الحياة…. نقش

يا انت

جمّلتك كلماتي وأفكاري وأقوالي

فتسللتِ من ابواب معبدي

وتعاليتِ عن البشرِِ وفنائهم

ففتح الاوليمب ابوابه لك

وأرز لبنان تمايل على نسيمك

في كتب المؤمنين السرّية أساطيرك تقدّس

إلهة ما فوق فوق الطبيعة

لك تقام الصلوات والقرابين، والاضحية تقدّم

ففيك الرجاء ومنك التقى وعندك الحساب وانت المرجع

تمتّعي ما استطعتِ بما كتبتكِ

فأنت بلا كلماتي

مجرد رمادٍ…. ذكرى جمرٍ في موقد

مجرّد فتات…. ذكرى خبزٍ في معجن

انتِ، ما انتِ

انت بلا كلماتي

حبر بلا ورق

وسراب بلا  أمل

الحرية تحت نعال الجلادين

هي سوريا، الربع الخالي الباحث عن سحب حريته الماطرة. هي سوريا التي أصابها القحط السياسي والتحنيط الفكري منذ أربعين عاماً وما زال. هي أرض سوريا التي تشققت، فالشهادة لم ترو تلك الأرض منذ زمن، منذ سلّم الأسد “الكبير” سلاحه ضد الاسرائيليين بعد العام 1973. مع أن دماء الآلاف من المعذبين والمعتقلين السياسيين السوريين واللبنانيين والاردنيين والفلسطنيين والعراقيين والأكراد…. وغيرهم سالت في معتقلات ودهاليز السجون السياسية، لم تكن تلك الدماء البريئة كافية لكسر جدار العزلة عن تلك الارض العطشى، أصواتهم المنادية من قلب المعتقل الى خواء الصحراء لعل الرمال تنقل أنينهم الى من يجيب، أو لعل الهواء ينشر رائحة عفن الزنزانات التي يعيشون فيها ويلتقط أحدهم في الخارج رائحة الحرية التي تخرج من أنفاسهم العليلة بعد أن كمّت السلطة أفواههم اعينهم وأفكارهم وقطعت كل سبيل للتواصل مع العالم فينقل رجاؤهم الى أهاليهم، وعتبهم على حقوق الانسان ومؤسساته، ولوعتهم من رؤساء ودول تعهدت الحفاظ على مواطنيها  ، فأصبحوا صورة على جدار، ذكرى في خيال، رقم في لوائح رُتّبت على عجل لمسح أيدٍ من جريمة ضد الانسانية مستمرة كل يوم. (تحية للمعتقلين والمفقودين في السجون السورية)
هي سوريا التي سئمت الخنوع والركوع، يقوم أهلها بما يجب، الارض عطشى والدماء كثيرة. الارض عطشى والامل ضعيف، ما دام الحال كذلك لن يغني الذل ولن تسمن التبعية. انتفض بعضهم بالعلن، والآخرون بالسر والبعض ما زال يأبى فك قيود الارتهان، فعل الاسر المستمر يحوّل الانسان من فاقد للحرية الى تابع لجلاده لا يعرف العيش بدونه، انه تمظهر الضحية بمظهر الجلاد….. ثاروا وقاموا ونادوا بالخطيئة الأصلية، الحرية. قالوها علناً، الشعب يريد الحرية. لم يحتمل الأسد، فتلك الكلمة أقسى وأشد عليه من وابل الرصاص ومن هدير الدبابات. لكلمة الحرية في الشعوب فعل لا يقوى سلاح عليه ولا يقوى ظلم على كمّه في صدور المطالبين به. كرة ثلج تدور وتسير، مظاهرات تطالب بالحرية، وقمع يردّ بالنار والرصاص، فلا المظاهرات تتوقّف بل تكبر وتزيد، ولا النار تنطفئ بل تقسى وترغي عهراً. وهكذا أرض سوريا ترتوي يوماً بعد يومٍ من دماء الحرية وبقعة الدماء تكبر وتكبر. هذه هي لعنة الأرض، الاّ تتطلّع اليها وترويها بالدماء تقوم هي بلفظك من التاريخ ومن الوجود. واذا سقيتها دم الشباب والشيب الحر تلقّفتها بسعادة وحوّلت شقاء أهلها الى ياسمين دمشقي يغسل الهواء من فساد المتسلّطين، شقائق النعمان تعيد للأسطورة الكنعانية القديمة ألقها.
وآخر بطولات الشعب الحر في سوريا في ذلك المركز الأمني حيث يقاوم الأمنيون الارهاب وأهله…. رجل امن يحمل الرشاش بيد والعصا (الفلقة) بيد أخرى وآخر يصوّر المشهد “للتاريخ”. والارهابي ويا للعجب لم يكن ملتحٍ ولا مزنّر بالحزام الناسف ولا بالرشاشات التي تصوّرها قنوات السلطة (وهي بالمناسبة بواريد صيد). لم يكن الارهابي “فحلاً” يخيف الامن فيجبرهم على استعمال السلاح…. لسخرية القدر كان الارهابي شاباً لا يزيد عن العشرين… جريمته أن الحرية تملّكت منه فأصبح عبدها. جريمته أنه طالب بالتغيير، وكيف يطالب بذلك والسيدة شعبان تسيّر مؤتمرات الحوار النفاق الوطني…. كيف تجرّأ وتفوّه بكلمة ترتبط بالحرية والتغيير بأي ارتباط…. لذلك صدر الحكم عليه من محكمة الميدان: اجباره على الكفر بالحرية… والطريقة التنفيذ، كافة الوسائل غير المشروعة… اسرائيل ليست أفضل من النظام… العقوبة الاضافية، تصوير الحكم ليكون المحكوم عبرة لغيره…. وهكذا بدأ التنفيذ بالضرب الشتم والاهانة وازالة كل شعور بإنسانية مفقودة لدى الضحية. والجلاد ينفّذ وهو يظن ان الصورة ستجلب له الترقية والتهنئة. وبالمناسبة فالجلاد يعبد الرئيس، “مين ربّك ولا؟” فهو ربّه الاسد وهو باب الجنة وميزان العدل والمهدي المنتظر. ولا يأتي المسيح الا بعدما تخرب الارض على أهلها. لذلك لا بد من تعجيل الخراب لكي يأتي المنتظر (الاسد) ويطلق العدل على الارض (السورية على الاقل). ويتابَع التنفيذ والضرب والشتم على الارهابي “اللئيم” المجرّد من كل دفاع والحر حتى الصميم وهو في حريته أقوى من جلاديه ومن أسيادهم. وتأتي تلك اللحظة حيث تكون الحرية تحت أنعال الجلاد ولا يقوى ان يمسّها بجرح، حينما يأتي الامني بصورة الله (الاسد جل جلاله) ويطلب من “المجرم” التكفير عن خيانته بأن يبوس الصورة….. وكأني بفعل التقبيل من ركائز الدين لدى صاحبنا…. تنتفض الحرية من رأس الشاب ومن دمائه ومن صميمه وحين يضع الامني صورة ربّه لتقبيلها يقوم الشاب بممارسة فعل الحرية بأشد الممارسات قسوة للرب المعبود والجلاد المجلود…. بلحظة يبصق الشاب على الصورة وتاريخ صاحبها ومن ورائها على الجلادين ويستهزئ بمحاولاتهم ويقولها صريحة، “أنا انسان حر ولن أعود للزنزانة” أو بطريقة أخرى “هيهات منّا الذلة” …..

سوريا ربيعك قريب ولكنه صعب ومرير ومحزن، ولكنها الحياة التي تفرض أحكامها على الجميع.  الالاف من المعتقلين يمارسون جريمة الحرية من زنازينهم ولو من غير ضجة، الملايين من السوريين يرتكبون جرم خيانة العبادة بالمطالبة بالحرية وملايين أخر ينتظرون ان تزول الغشاوة عن اعينهم…. والملايين من اللبنانيين والاردنيين والفلسطنيين والعراقيين والاكراد والخليجيين…. ممن ذاقوا مرارة نظام الاسد الفاسد والجائر ينتظرون ياسمين دمشق وأزهار رياضها المعلنة للحرية ولادتها، قاسيون أنهكه فعل العبادة واشتاق لهوى الحرية…. ان غداً لناظره قريب.

السيتي كافيه وقصة بيروت

اعلن منذ يومين صاحب السيتي كافيه اعتزاله تقديم الخدمات “القهوجية” في مقهى السيتي كافيه الشهير والكائن في قريطم. وللعلم فإن مقهى السيتي كافيه من مقاهي بيروت العتيقة والعريقة والتي ساهمت في حراكها الثقافي المتميّز.

ها هو السيتي كافيه يهوي بعد هذه الفترة الغنية، وقد أتى إقفاله بعد أن أقفلت جميع مقاهي بيروت – شارع الحمرا بالتحديد – منذ ما بعد الحرب الأهلية. من المودكا الى الهورس شو والكافيه دو باري، من دون ذكر رحيل النهار وحيويّتها والعديد من المعالم الثقافية. معالم رسمت وساهمت برسم صورة بيروت التي أفقنا عليها: بيروت الثقافة والحرية والحوار بين الأفكار الثورجية والقومية واليسارية وما الى هنالك من أفكار ابتكرها أو استوردها العقل البيروتي. فهل هي أمور مالية أم أنها متعلّقة بالمحيط البيروتي، واستطراداً الللبناني؟

من يطالع تاريخ بيروت منذ بدء التدوين – وليس الblogging– يستنتج أن هذه المدينة غريبة عجيبة، فهي دائمة التغيّر والتبدّل، وحسب ما يقوله المؤرّخون وآخرهم سمير قصير في كتابه “تاريخ بيروت” بأن المدينة الحالية قائمة فوق سبعة مدائن قديمة، وبالتالي سواء كان السبب طبيعياً كالفيضان أو الزلزال أو حتى التسونامي، أو كان السبب بشرياً كالحروب والاحراق الذاتي والتقاتل، فإن بيروت تعتبر بامتياز مدينة ثائرة على الجمود. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار إقفال معالم بيروت السابق ذكرها مجرّد عنصر من عناصر التبدّل والتغيّر لمدينتنا وهو امر طبيعي. وبيروت الحاضرة في ذاكرتنا كجيل لبناني استفاق على صورة مؤطّرة للمدينة، هي بيروت الحرية والنقاش الفكري المحتدم بين اليمين واليسار، القومية والعروبة، بالإضافة الى كل أشكال التناقضات الفكرية، كما انها بيروت الفساد والعمليات المالية المشبوهة وسوق الأثرياء العرب ومخبأ شهواتهم وملذاتهم، بيروت التناقض الفجّ بين الحداثة والفوضى والفقر والغنى. فمن صميم تلك التفاعلات الفريدة برز شارع الحمراء كمتنفّس أو كهايد بارك لبناني عربي في منطقة عانت من الدكتاتورية والقمع والعدوان المستمر. هذا الشارع هو الذي جمّل تاريخ لبنان والمنطقة منذ الخمسينات وحتى ثمانينات القرن الماضي، ومن قلب الشارع برزت معالمه المكوّنة لحاضره، من الجامعة الأميركية ومبنى النهار، الى ساحات الصراع والنقاش، أي الويمبي والمودكا والسيتي كافيه وغيرها من أماكن التجمع القهوجية والمطعمية والباراتية.

التطرّق الى التبدّل والتغيّر كميزة مرافقة لبيروت، ينقلنا الى الحديث عن تطوّر المدينة، بمعنى آخر هل هذا التبدّل نحو الأفضل أم أنه مجرّد انتقال ظرفي؟ استكمالاً لما سبق، فان شارع الحمراء اليوم لا يشبه كثيراً ذاك الشارع الذي كان ممتلئ حركة وحيوية. النهار غادرت مبناها الى الوسط التجاري حيث يتم بناء مستقبل المدينة بغض النظر عن رأي الناس بهذا المستقبل او علاقتهم به. والمقاهي أضحت محال تسوّق عالمية (فرانشايزينغ) وهذا يبرّره الوضع العالمي حيث ان الشركات العالمية وماركاتها اجتاحت أسواق العالم – وعذراً مع أني لست شيوعياً، أو ربما أكون؟ – فان تلك الظاهرة تشعرني بالاشمئزاز من تلك الصورة النمطية التي تلوّن بها العالم منذ عشرين عاماً، هي صورة الماكدونالدز والستارباكس أينما ذهبت… والملاحظ هنا أن مزاج الناس قد تغيّر بذاته وهو ما فرض تغييراً في الأماكن: مستوى المطالعة الى تدنّ، مستوى الانخراط السياسي (لا الطائفي) يكاد يكون معدوماً، والابتكار الفكري محدود وغير منتج. لم تعد المظاهرات تتكوّن من رحم جامعات المدينة، ولم يعد هناك “عسكر” بيسكر بالحمرا، ولا تظاهرات يسارية حمراء معترضة على الظلم الاجتماعي. فحتى اليوم وبمناسبة “الربيع العربي” لم تشارك بيروت بصوتها وشبابها وقوة الحرية والاعلام فيها بفعالية لا في تونس ولا في مصر… أما بالنسبة الى سوريا فالتقاعس عظيم والمثقفون كشفوا زيف انتماءاتهم وقشرة الفكر التي يتلطّون ورائها، تاركين الدم السوري يسيل من دون أي ردة فعل، لعلّ روّاد الحمرا في السبعينات كانوا ليسيروا للمصنع وليس فقط في بيروت – تساؤل فقط – عن طبيعة الثقافة والمثقفين وفي القرن الواحد والعشرين روّاد الستاربكس والكوستا وبعض البابز pubs في الشارع في محاولة لخلق هوية جديدة للمدينة.

بالمقابل فان الانفاق والاستهلاك يكادان يكونان بحدّهما الأقصى، وسطوة الدعاية على الناس تغلب الوعي والفكر ولذلك كان لا بد من أن تنتشر عقلية الاستهلاك والتسوّق وتغلب طابع المناقشة والتثقّف وبالتالي ان “تفقّس” تلك المحال التجارية ومراكز التسوق لترسم صورة الشارع الجديدة. من هنا فإن التبدّل الحاصل قد لا يكون نحو الأفضل بطبيعة الحال… ولا أهمية لذلك فإن رفض الواقع الحالي لا يكون بالتمسّك بالوضع القديم الذي لا رجوع اليه بل يكون بالسعي لتغيير “التغيير” الجديد من خلال خلق بيئة مؤاتية. فها هي صورة مدينة القرن الواحد والعشرين ترتسم، أراها كمثيلاتها الخليجية – والعياذ بالله – مدينة تتحرّك ولكن من دون روح، فلا حرية منتجة ولا نقاش مثير للنقد الفكري ولا انتشار الا للطائفية والتخوين.

رحل السيتي كافيه كما رحل الآخرون من قبله، رحلوا وبقيت بيروت، و”ألهة” اليوم سوف ترحل يوماً ما وستبقى بيروت قائمة ومتغيّرة عسى ألاّ يكون املنا بتغيير الواقع الحالي فقط من خلال “تسونامي” ينقضّ على أصنام المدينة ليدمّرها.

المفقودون…. أمل على ألم

courtesy arabtj.com

قرأت اليوم أن اعتصام اهالي المفقودين في لبنان دخل عامه السادس. ستة أعوام من الاعتصام الدائم في حديقة جبران خليل جبران في وسط بيروت. الفترة أطول من أي من اعتصامي 8 و 14 آذار و هبرجتهما والنتائج الكارثية التي حلّت من أعمالهما على البلد، كما أن اعتصام هؤلاء اصحاب الحق أهدأ رغم أنهم من يجب ان يثور بوجه سلطة القتلة والغصب و من باع ويبيع البلد بالجملة والمفرّق لمن يدفع أكثر.

courtesy al-akhbar.com

لا بد من ملاحظة أمر مهم في هذا الملف، وهو ردة فعل السياسيين اللبنانيين مع القضية وأصحابها. لا مبالاة واضحة وجليّة. فاذا كانت السيادة الوطنية باسترداد الارض، فالاحرى بمن يزايد اليوم أن يقوم بالضغط لاسترداد المواطنين اللبنانيين المفقودين، واذا كان سمير القنطار اثناء اعتقاله في السجن الاسرائيلي يتمتع بحقوق ويمارس نشاطاً سياسياً وعلمياً ومراسلاتياً من السجن، فمعظم هؤلاء يقبعون في مكان ما خلف العدم وأسوار المذلّة أو تحت التراب من دون مراعاة لإنسانية فقدوها على حاجز ما أو أمام ميليشياوي ما ظنّ نفسه حاكماً بأمر الناس وبأمر الله. كما أن الأحرى بمن يطالب بالحرية والسيادة أن يكشف أوراقه ويفتح سراديب قصوره وثكناته السابقة وتقارير استخباراته أمام العلن، على الاقل في عملية تكفير انساني من دون نتائج قانونية وقضائية. في هذه المجال، فقد عمد أمراء الطوائف الى استصدار قانون العفو العام عن جرائم الحرب اللبنانية، وفجأة أصبح القاتل العمد مقاتلاً سابقاً ومقاوماً نبيلاً في سبيل الأمة. غير أن القضاء اللبناني نجح مرة من اخراج قضية أحد المفقودين من العفو المشار الذكر اليه بحجة أن جريمة الاخفاء القسري هي جريمة متواصلة و بالتالي فان نية الاخفاء موجودة حتى ما بعد صدور القانون وبالتالي فان العفو يكون قاصراً على الفترة السابقة على صدوره وليس على الفترة اللاحقة. والحق ان هذه الانجاز هو ما يفتح كوة أمل قضائية في الملف الشائك، وبهذا يكون القضاء اللبناني خطا خطوة اولى في مجال تحقيق السيادة القضائية الحقة. وتجارب دول عديدة في هذا المجال تستحق التوقف عندها واستخلاص الدروس التي نتجت عنها من سلام داخلي حقيقي وليس بتوقف القتال كما هو الحال عندنا.

وقد صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 47/133 تاريخ 18 ديسمبر 1992 الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والتي تم نشرها للتوقيع عليها العام 2006 والتي وقّعتها الدولة اللبنانية  غير أن الدولتين المعنيتين بالموضوع، أي سوريا واسرائيل، ما زالتا متخلّفتين عن التوقيع عليها.

اما الملاحظة الثانية فهي الاهمال الشعبي الثقافي والاجتماعي الواضح للبنانيين. قضية بهذا الحجم وهذه المأساوية تستحق منّا جميعاً وقفة مع هؤلاء الابطال الذين ما يئسوا بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على فقدان بعضهم، أنا الحاصل اليوم هو التجاهل شبه التام، وكأن الشعب اللبناني يمارس سياسة النسيان، وكأن الافعال الشائنة المرتكبة باسمه قد يمحيها التجاهل والنسيان. ما من احد يساند أو يدعم تلك القضية الانسانية رغم علم الجميع بأحقيتها وعلم الجميع ان المفقود كان يمكن أن هو نفسه أو شقيق أو صديق، حواجز الرعب كانت منتشرة أينما كان وما من طرف يمكن ان يدّعي البراءة أو يقدر على غسل يديه من هذه الجرائم. والمضحك المبكي أن اللبنانيين الذين عانوا بأغلبيتهم العظمى من عنف الحرب وهولها وآثارها المدمّرة التي كان يرتكبها أمراء الحرب آنذاك، والذين كانت كراماتهم تمتهن يومياً مع كل وقفة أمام حاجز أو تغطرس ميليشيوي أحمق، مع كل طلقة رصاص ولو بالهواء، والذين كانوا يتلقون الاعاشات بالأوقية بينما الزعماء يستلمونها بالقنطار… هؤلاء اللبنانيون هم نفسهم الذين نصّبوا أمراء الحرب والدم عليهم زمن السلم، وها هم اليوم – أي الزعماء – يحملون راية السلام بيد وراية الطائفة والمذهب باليد الثانية، وقد نحت لهم اللبنانيون أيقونات فهم مخلّصي القرن الواحد والعشرين، هؤلاء اللبنانيين الذين يتجاهلون جراحاً ما التأمت وما زالت حرقة الانتظار تأكل أصحابها، انهم يعلمون علم اليقين بأن ما حصل مرشّح لأن يتم مرة ثانية وثالثة ورابعة، وال17000 مفقود يمكن بقرار متهوّر ان يصبحوا 50000، وهم يعلمون ان درب السلم الحقيقي والتصالح الأخوي يمر عبر اقفال هذا الملف. وتجارب العديد من الدول شاهد عيان، من قبرص الى أميركا اللاتينية في الارجنتين والتشيلي وغيرها

الى أهالي المخفيين قسرياً في لبنان، لقد أثبتتم لنا أننا قصّر وأننا وثنيين نتعبّد من يمتهن كراماتنا ويقتل أطفالنا، نمارس الدعارة الجماعية والسكر الجماعي علّ هذه الصفحات السود تنخزق من تاريخنا، رغم علمنا بأنكم من تحملون الدواء الشافي، فمن خلالكم نتصالح مع تاريخنا ومع بعض، نحن كلّنا ضحايا فلنتصالح بالحقيقة

لمن يرغب العديد من الوصلات المفيدة لدراسة أكبر وأعمق:

http://www.ediec.org/

http://www.solida.org/

http://cldh-enforcedisappearance.blogspot.com/2009_10_01_archive.html

http://www.algeria-watch.org/en/aw/disappearances.htm

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 484 other followers