الخطط الاقتصادية للحكومة اللبنانية 2012 -2020

في محاولة لتسهيل عمل الراغبين بالاطلاع على الملفات الكاملة للحكومة اللبنانية والتي تتناول الخطط الاقتصادية الاجتماعية وخاصة منذ العم 2018 ولغاية تاريخه، ولعدم توفّر هذه المواد بشكل سهل على المواقع الالكترونية، لذلك قررت تحميل عدد من الملفات المرتبطة بالخطط الاقتصادية للحكومة اللبنانية باللغتين العربية والانكليزية عند توفر النسختين. على أنه يجوز ان تكون هناك عدد من الخطط الأخرى غير الموجوجة هنا

ملاحظتان لا بد من الاشارة اليهما في هذا الإطار: الملاحظة الأولى أن الملفات المحمّلة هنا هي منزّلة عن عدد من المواقع الإلكترونية وبالتالي فإن هذه الملفات هي صحيحة على مسؤولية الناشر ولا أتحمل أية مسؤولية عن أية أخطاء أو تعديلات تمّت في الملفات أو على مضمونها. أما الملاحظة الثانية فإنني لم أتمكّن من تحصيل أي من هذه الملفات أو غيرها من الملفات الاقتصادية، المالية، الاجتماعية أو غيرها من الملفات المتعلّقة بالحكومة اللبنانية أو بعملها ، لم أتمكّن من إيجادها على أي موقع رسمي (موقع رئاسة الحكومة بالأخص) على أن الخطة الاقتصادية (ماكنزي) كانت متوفرة على موقع وزارة الاقتصاد اللبنانية

خطة العمل للاصلاح الاقتصادي والاجتماعي 2012 – 2015

رؤية لبنان الاقتصادية – خطة ماكنزي – 2018

محسن ابراهيم… واكتملت الصورة

في ثنايا الذاكرة هناك محطات وشخصيات تبقى عصيّة على النسيان قابعة هناك تحرّكها صورة أو موقف أو أغنية أو كتاب أو مقولة. فهي كقطع المغناطيس إن تضعها على الخشب لا يؤتي أي فعلٍ وإن تقربها من الحديد تجذبه صوبها وتحرّكه أو تتحرّك به. ومع مرور الزمن ترتدي هذه الشخصيات والمحطات رداءً عاطفياً روحياً يستحيل فيه الواقع قطعة منها وكأن الواقع اصْطُبِغَ من صنوها وأصبح فيها وأمست صحَّته وشرعيّته منها وإليها

محسن ابراهيم مع كمال جنبلاط وجورج حاوي

هكذا هو محسن ابراهيم، شخصية شغلت الشأن العام اللبناني والعربي منذ ستينات القرن الماضي حتى ثمانيناته، في المبدأ والواقع هو شخصية قيادية فريدة شاركت مع حركة القوميين العرب ومن ثم الى اليسار ومنظمة العمل الشيوعي والحركة الوطنية اللبنانية، ولكن لندع الحقائق والواقع لعوالم الواقع الافتراضي ومعاركه الدون كيشوتية بين مؤيّد لحركته ومُذِمٍّ لها، فلتأخذ المحاكمات اليوم استراحة لها عنه 

قبل ذكرى أربعون يوماً لاستشهاد القائد جورج حاوي لم أذكر موقفاً علنياً مسجّلاً للرجل ولكنه أخذ الحيّز في الذاكرة والوجدان، فلا زالت صورته مع الشهيدين كمال جنبلاط وجورج حاوي تفشي تفاعلاً وسلاسة وتواصلاً غير ناطقٍ بين هؤلاء الثلاثة كان محسن ابراهيم ذلك الغامض منذ بداية تكوّن وعيي السياسي؛ فالزعيم كمال جنبلاط ورغم غيابه المبكر كان وما زال الحاضر الأبرز في وعيي والشهيد جورج حاوي كان حاضراً في الشأن العام، أمّا محسن ابراهيم فكان الغائب الغامض الذي لم تغيّبه الشهادة بل السكوت المدوّي. أبحث في الصور فأكاد لا أجد صورة الا وتجمعه بالشهيد كمال جنبلاط ولا موقفا من الأرشيف الا وفلسطين والعلمانية والديمقراطية أقانيمه الثلاث، حتى إطلالاته العامة الخجولة كانت حصراً في مسيرات اغتيال القائد كمال جنبلاط السنوية أضف اليها ذكرى أربعين الشهيد حاوي وكأنّ الصورة الملتقطة في سبعينات القرن الماضي تتكرر سنة وراء سنة وها هي تكتمل تحت شعار القادة الراحلين 

لطالما أردت أن أعرف عن الرجل أكثر ولكن هذا الفرض تلكّأ مراراً بسبب ظروف الحياة غير أن الرجل بقي في الذاكرة الواعية إذ كنت أبحث في الصحف دوماً عن اسمه وعن أي مقال يتناوله أو يتناول المرحلة التي اشترك في قيادتها وبالذات في نشرة أخبار 16 آذار حيث كان الحاضر الدائم في ذكرى اغتيال المعلم، وهنا أستذكر الاستاذ فؤاد شبقلو، رفيق كمال جنبلاط في الحركة الوطنية والذي اعتاد أن ينشر كل عام في ذكرى اغتيال المعلم مقالاً يذكر فيه ما حصل منذ المقال الأخير، فالتحية للأوفياء الذي هو منهم 

وطال الزمن حتى أتى نبأ وفاة محسن ابراهيم بالأمس حزيناً لنا وعلينا اذ اننا ما زلنا لمّا نرتوِ من محنة العطش للمعلومة ولمّا نقبل أن حكم الحياة بالموت هو حكمٌ جازم بات، فعادت صورة محسن ابراهيم عارية من أية أحكام مسبقة أو لاحقة أو تقييمات سلبية وإيجابية، عادت الصورة الشهيرة ناصعة باسمة وكأنّها صورة ثلاثة أطفال يلهون مع بعض غير آبهين للمصوّر أو لأي شخص أو ظرف آخر وابتسمتُ معهم اذ ان الهالة التي جمعتهم في حياتهم لم تكن لتكتمل في قيامتهم الا إذا كانوا سويّاً 

وعلى سبيل الإنجاز والاستكمال لبعض الشخصيات الحيّة القابعة في الذاكرة لا أجد نفسي إلّا ومستذكراً الشهيد أنور الفطايري، ذلك الرجل الذي يشبه محسن ابراهيم كثيراً في حياته، ظاهراً في الصور في الأبيض والأسود مرافقاً كمال جنبلاط وجورج حاوي ومحسن ابراهيم ووليد جنبلاط، لا مقاطع صوتية أو تلفزيونية له وهو الغائب الحاضر منذ اغتياله شهيدا في 9 شباط 1989. وكم بحثت وانتظرت كتباً أو مقالات تُكتَب عنه حتى سطعت صورته في الذاكرة مع محسن ابراهيم وكمال جنبلاط ثلاثياً لم نعايشهم بالجسد ولكن عايشنا ذكراهم وذاكرتنا وفّرت لهم ذلك الركن الذي لا تطاله ممحاة الزمن أو تنال منه خيوط النسيان

أمّا بعد، حنكمّل المشوار

الاسلام المعتدل!؟

 تتوالى الأحداث الأمنية والسياسية والعسكرية في هذا الجانب “المضيء والمشعّ” من الكرة الأرضية، ولا يكاد يمر يوم من دون ان تسمع فيه عن الإسلام والإرهاب والتطرف وعمليات القتل. وعلى الرغم من أن مسرح العمليات وان كان يجري في محيط ضيّق نسبيا من حيث المساحة والكثافة السكانية مقارنة مع مجمل العالم، والإسلامي منه على الأخص، غير أن الجلبة من هذا المسرح تفوق كل الأصوات الأخرى.

لا شك أن الهمجية التي يتعامل بها ما يسمى بالإسلام السلفي أو الإسلام المتطرف، أو الإرهاب الإسلامي المتطرف، أو أية جماعة إرهابية تتخذ من الإسلام مرجعاً لها، هذه الهمجية مثيرة لدرجة أنها تستدعي الإعلام بأن يفرد لها الصفحات الأولى، بنيّة مبطّنة من كواليس الأمن والسياسة، من اجل تكبير الكبائر وتعظيمها. بالإضافة الى الجماعات التكفيرية هناك العديد من الشخصيات التكفيرية المتفرقة التي وللمصادفة تعيش في دول الصف الأول الأميركي البريطاني الفرنسي، وهي كلها تتفق على ان التكفير جزءاً من سلطتها الأرضية المستمدّة من الوحي الإلهي، وهي تأخذ القرآن بحرفيته والقليل من المفتين المتزمتين الذين لم تكن لهم صلاحية أيام حياتهم فإذا بها مع هؤلاء تنتعش في عصر العولمة الرقمية. فلا يكاد يمر يوم من دون أن تسمع بفتاوى لا تمت الى “روح الإسلام” و “روح القرآن” اذا كان لهما من روح؛ فمن منا لم يسمع بفتاوى تحريم مشاركة المسيحيين بعيد الميلاد، أو تحريم شراء أشجار والزينة الميلادية وتزيين منازل “المسلمين” فيها، وأخيراً وليس آخراً فتوى تحريم صنع “رجل الثلج”… من دون تعليق.

في مقابل الضجة التكفيرية في هذه المساحة العملياتية الصغيرة لا تكاد تسمع ولو وشوشة، أي كلام مما اصطلح على تسميته ب”الإسلام المعتدل”. قبل أن أكتب هذه النقالة قمت ببعض البحث الغوغلي لكي أتعرّف على تعريف واضح للإسلام المعتدل، وكل ما وجدته يصلح للإستنتاج بأن الإسلام المعتدل مفهوم حديث طابعه سياسي فضفاض قابل للموت في أي لحظة لأنه لا يستمد من الكتاب ولا من الفقهاء الأوائل أية شرعية، وينحصر بمجمله بأسلوب عيش وتفكير وممارسة للوقوف بوجه التطرف السياسي الإسلامي. ومع فقدان الشرعية “الكتابية” و”الفقهية القديمة” حاولت بعض المؤسسات الدينية من إضفاء “بعض” الشرعية عليه من خلال خطب المفتين “الرسميين” والأزهريين او بعضهم حتى، من دون نتيجة تذكر: فالمؤسسات الدينية أيضاً لا تعترف بالإسلام المعتدل ولا تجد له سبباً للوجود غير الوقوف الآني بوجه التطرف التكفيري، وكل امر إضافي هرطقة لا بد من محاربتها، فالإسلام دين ودنيا. والحق يقال أن الإسلام المعتدل خُلق مشوّها وما زال يستعطي الوجود من داخل النص والمؤسسة الدينيتين وهذا ما لن ينله.

نتيجة لما سبق يمكنني وضع تعريف الإسلام المعتدل كما يلي، مع الاعتذار بأن التعريف شخصي ولا يستمد من أية معارف إسلامية او “مدنية” معيّنة: هو الإسلام الذي لا تُجبر فيه النساء على ارتداء البرقع، ولا يملك فيه أي شخص او شيخ سلطة الإفتاء والتكفير. إنه الإسلام الذي لا يملك سلطة من خارج كنف السلطة او الدولة التي تأويه. هو الحزب السياسي الذي ينمتي اليه المسلم العادي . تعريف ليس متخصصاً أو علمياً لا بل أنه تعريف قاصر عن تفسير بعض الجوانب الأخرى التي تميّز هذا الشعار بالإضافة الى غيره من الممارسات. بالرجوع الى التفسير الواقعي للمفهوم أعلاه، في لبنان مثلاً تيار المستقبل يدّعي أنه يحمل لواء “الإسلام المعتدل”، بينما “حزب الله” لا يعترف بهكذا مصطلح، على حد علمي. أما في السعودية على سبيل المثال، وهي الراعية الرسمية لتيار المستقبل اللبناني، فإن الإسلام المعتدل هو ببساطة “الليبرالية” ومن لا يعرف معجم المصطلحات السعودي فإن الليبرالية تتوازى مع الصهيونية والماسونية والارتداد الديني. ومن هنا تعرف “سياسية” المصطلح وتفاهته. لذلك فسوف أستخدم فيما يلي مصطلح “الإسلام التقليدي” وهو المفهوم الاجتماعي للإسلام المنتشر عند المسلمين في بلاد الشام والمعروف عنه على أنه الأكثر حداثة والقدرة على التحاور مع الآخر وقبوله على مر التاريخ.

وكما قلت سابقاً بأن الإسلام التكفيري يمارس عمله في نطاق ضيق نسبياً غير أن لا أحد يجرؤ على اعتراض صوته ، منذ 11 أيلول 2001 وحتى اليوم وعلى الرغم من التطور العامودي الذي أخذه مسار الأحداث على صعيد تطوّر التكفير الإسلامي وممارساته الشنيعة، فانه لم يقابل بتطوّر مماثل على صعيد الإسلام التقليدي؛ لم يقم هذا الإسلام بالتعبير عن مصادر قوته بطريقة صريحة ولم يعمد الى تحديث الخطاب الدينو-سياسي من اجل ملاقاة المزاج الشعبي العام الرافض للتكفير، وبينما تعامل ب”ديمقراطية” زائدة في بعض الأمور، لم ينجح في استنبات الأنياب الدينية لكي يحارب بها التطرف الديني المدجج من ناحية أخرى، فبقي يتيماً يمارسه العديد على طريقة “التقية” الأقلّياتية. ولعل أبرز الأسباب لعدم استطاعة التيار الإسلامي التقليدي على مقارعة الإرهاب التكفيري (ليس على الصعيد العسكري الأمني) يعود الى:

  1. مع أن الإسلام التقليدي يعيشه الكثير من المسلمين وهو نظام عيش معمول به منذ زمن بعيد، غير أن من أهم صفاته انه قابل للتحلل في فترة قصيرة نسبياً ليحل محله التطرف أو في الظروف غير العادية. فكما أسلفنا إن الإسلام التقليدي هو نظام حياة مسالم غير قابل للتطور عند حدوث الخضات، ولكنه يبقى حياً على نطاق أضيق في تلك الحالة، أي بمعنى آخر لديه قدرات دفاعية وليس هجومية. من اهم خصائصه المسالمة مع الملل الأخرى وعدم القدرة على تحديث النصوص الدينية والممارسات الدينية في الإسلام، فهو يحيا على التقليد ولا يمكن له التحديث، حينئذ سينقلب التقليدي وينفرط عقده لما لهذا الأمر من خطوط حمراء لا يستطيع أحد تجاوزها.
  2. مع أن الإسلام التقليدي ظاهرة اجتماعية، غير انه لا يمكن أن يكون ظاهرة مؤسساتية أو مؤطّرة أو مجتمعية غايتها تحقيق أهداف محددة، وبالتحديد إقامة نظام سياسي عام. فبعد التجارب السياسية الأخيرة في العالم العربي والإسلامي، لا يمكن اعتبار الإسلام التقليدي جهاز قابل للسلطة، وكان عنوانه الفشل الذريع مع محاولات تدمير المدنيب لصالح الديني، وانصبغ بالإسلام السياسي وبالتالي مشروع تطرف أصولي سيقع بين الواجب “المدني” العام وبين الواجب “الديني” العام/الخاص وينتهي بالانحياز بالاتجاه الثاني. لم تستطع أي سلطة إسلامية ان تضمن استمرارية السلطة “المدنية” في مقابل هجمة الطابع الإسلامي لها، باستثناء التجربة التركية الحديثة مع ما طفا على الواجهة من انتقادات للسلطة الحالية التركية. كما ان دور الإفتاء التي تمثل السلطة القائمة في العديد من الدول لا تعدو كونها ناظم إداري وقانوني للهيئات والطوائف الإسلامية في تعاملاتها بين بعض ومع الطوائف والهيئات الأخرى وهي بالتالي غير قادرة عضوياً على لعب أي دور في هذا الاطار غير تحديد مواعيد الإفطار وأعياد المسلمين.
  3. التناقض في التصرفات بين الشخصي الخاص المنفتح وبين العام المجتمعي المتزمّت: فبينما على الصعيد الشخصي يمارس الانسان المسلم حياته (اتحدث عن بعض ولا أعمم) بطريقة مدنية عادية لا بل متحررة في بعض الأحيان، فإن نفس الشخص على الصعيد العام المجتمعي يلتزم الاطار العام وهو الاطار الذي يكون متزمّت في أكثر الأحيان، وهنا يقع التناقض بين الإطار الشخصي للممارسة الدينية والإطار العام الذي يتميّز بالتقوقع النسبي. ومثال ذلك يقوم مسلم بشراء شجرة ميلاد وتزيينها في بيته، وتهنئته المسيحي بعيد الميلاد أو أعياد أخرى مثلا، فهذا ينم عن انفتاح ثقافي على الرأي الآخر وعلى التسامح الإسلامي. اما على الصعيد العام فلا تجد شيخ أو مفتٍ يفتي بعدم تحريم شجرة الميلاد. مثال آخر بيع واستهلاك المشروبات الروحية، اذ ان العديد من المسلمين يشربون ويشترون المشروبات الكحولية غير انه ليس مقبولا وجود محلات بيع مشروبات كحولية في المناطق ذي الغالبية المسلمة، مع الإخذ بعين الإعتبار بأن الأمر هنا نسبي أيضاً. التناقض يقوم في هذه الأمثلة وغيرها بين التصرف الشخصي في أمور دينية محرّم وقبوله اجتماعيا وشخصياً.
  4. في حضرة العام يغيب الخاص: وكما قلت فيما سبق فإن الاطار الخاص للإسلام التقليدي على الصعيد الشخصي هو جد متطور ومنفتح وفيه ممارسات تناقض بطبيعتها ما يقال أو يتم نشره عن الإسلام، غير انها محصورة ولا تؤثر ايجابياً على الإطار العام المجتمعي. لا بل ان الاخير يؤثّر بطريقة معاكسة على الخاص. واكبر مثال على ذلك هو غياب الحراك الاجتماعي العام في مواجهة التكفير الإرهابي؛ فمع ان معظم المسلمين ان لم يكونوا جميعا يعادون التكفير الإرهابي، فلم نسمع أو نرى أو نشهد أية مظاهرة أو تحرّك أو حراك (خارج الصحوات المعروفة المنشأ) في مواجهة الإرهاب التكفيري، منذ أحداث 11 أيلول 2001 وحتى اليوم على الرغم من وقوع مئات الآلاف من الضحايا لهذا الإرهاب التكفيري.

بالإضافة الى ما سبق لا بد من وجود العديد من الأسباب الأخرى التي تضيف على ما أحاول قوله، والمحصلة أن الإسلام التقليدي هو طريقة عيش مسالمة لا تمتلك من أدوات تمكّنها من الهجوم وتحقيق الإنجازات مع قدرة محدودة على الدفاع عندما يحشر في المربع الأخير، أي الدفاع عن الرمق الأخير للحق في العيش. وبذلك يكون الإسلام التقليدي جهاز سلبي يتلقى ولا يتفاعل بالطريقة الأنسب لحماية وجوده وللدفاع عمّا ينادي به هذا الإسلام من روح سمحاء للإسلام تستحق نشرها وتعميمها. أضف الى ذلك بأن الإسلام التقليدي يعجز في الدفاع عمّا يؤمن به سواء مما ورد في الكتاب او في الممارسة اليومية في مواجهة التكفير الأصولي الذي يستمد من ظاهر النص أحكامه؛ فإذا واجه وشكّك فإنه سيهاجم ويشكك بما ورد من ظاهر النص، وهو نص مقدس في جزئيته وفي مجمله، مما يؤدي الى إعطاء التطرف سلطة إهدار الدم عندما يتم التشكيك بالنص، وبالتالي قيام عملية ترهيب جماعية بحق الإسلام التقليدي تؤدي الى ارتداده وتقوقعه كما يحصل الآن.

في النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي

زوبعة جديدة تنضم الى زوابع السماء اللبنانية المتلبّدة أصلا بما يكفي من عواصف وغيوم تنذر بشتاء قارس؛ وهذه الزوبعة هي تغريدة للصحافي السوري فيصل القاسم على موقع تويتر يهزأ فيها من الجيش اللبناني بطريقة لا مهنية، بل بطريقة مسيئة للجيش اللبناني قكتب فيها: “انجازات الجيش اللبناني منذ تأسيسه: تصوير كليبات غنائية مع وائل كفوري مع نجوى كرم مع أليسا مع هيفا حرق مخيمات السوريين بعرسال م ابوالقاسم”

وللعلم فقط أنشر مضمون التغريدة/الزوبعة والتي نتج عنها اقفال لمكتب الجزيرة في بيروت من قبل بعض الشبان في مشهد أصبح حصوله يومياً هو القاعدة وليس الاستثناء، مع العلم ان أغلبية الشبان يطالبون بسلطة الدولة والقانون، ولكن بتدابير غير قانونية ولادولتية

Doc3_001

وبالأمس شاهدت تقريراً في نشرة الاخبار المسائية لقناة الجديد قدّمته الصحافية راشيل كرم عن الحادثة المشار اليها أعلاه، وفيها صرّح أحد المحامين الضيوف بأن أفعال الصحافي القاسم هي بطبيعتها أفعال جرمية وينطبق عليها قانون العقوبات اللبناني، وبنتيجة اعتراضي على مضمون “الاستشارة القانونية” الذي أثرته على موقع تويتر والرد من قبل الصحافية راشيل كرم قررت إيضاح مضمون المواد المثارة.

بالانتقال الى مضمون ما سرده المحامي بأن أفعال الصحافي تنطبق عليها المواد\ التالية: 295، 296، 317 عقوبات لبناني.

وضمانا للمعرفة، هاكم مضمون المواد المذكورة:

  • المادة 295: ” من قام في لبنان في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاية ترمي إلى أضعاف الشعور القومي أو الى إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالاعتقال المؤقت.”
  • المادة 296- ” يستحق العقوبة نفسها من نقل في لبنان في الأحوال عينها أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة. إذا كان الفاعل يحسب هذه الأنباء صحيحة فعقوبته الحبس ثلاثة أشهر على الأقل.”
  • المادة 317- معدلة وفقا للقانون تاريخ 1/12/1954 والقانون 239 تاريخ 27/5/1993 “كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة إلى ثمانمائة ألف ليرة وكذلك بالمنع من ممارسة الحقوق المذكورة في الفقرتين الثانية والرابعة من المادة 65 ويمكن للمحكمة أن تقضي بنشر الحكم.”

لتطبيق المادتين 295 و296 عقوبات لا بد من توافر الشروط المجتمعة التالية:

  1. حصول الجرم على الأراضي اللبنانية
  2. حصول الجرم في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها.
  3. القيام بدعاية ترمي الى اضعاف الشعور القومي أو الى ايقاظ النعرات العنصرية او المذهبية (295)
  4. نقل أنباء يعرف الجاني أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة (296)

بأخذ تغريدة الصحافي القاسم موضوع المقالة، نستنتج ما يلي:

  1. الجيش اللبناني بالفعل صوّر فيديو كليب مع نانسي عجرم وأليسا ونجوى كرم، هي اذا وقائع لا لبس فيها ولا جرم في تناقلها.
  2. أما بالنسبة لحرق مخيمات اللاجئين بعرسال، تصريحات الجيش والاعلام تفيد بأن من حرق المخيمات هم الارهابيون أو المتعاملين معهم من داخل المخيمات، وعلى هذا الأساس فان هذه المعلومة غير صحيحة، وتخضع لتسبيب قانوني يختلف عن التسبيب الوارد في المادتين 295 و296 عقوبات.

ولكي يبقى للعقل والمنطق مكان في رقصة الجنون والموت اليومي في حياة كل لبناني وعلى مواقعه الالكترونية وشاشاته وهواتفه، هل لأحد أن يشرح ويبرّر كيف ان عبارة “إنجازات الجيش اللبناني حرق مخيمات السوريين بعرسال” حسب ادّعاء الصحافي فيصل القاسم يمكن أن “ترمي الى اضعاف الشعور القومي أو الى ايقاظ النعرات العنصرية والمذهبية” أو “توهن نفسية الامة” وكيف أصبح شعورنا القومي بهذه الهشاشة ام بهذه الحساسية؟

الشعور القومي أو القومية بشكل أعم حسب تعريفات معظم الباحثين او المتخصصين على اختلافهم، هو هذا الشعور بين جماعة من الناس بما يربطهم من روابط مشتركة من ثقافة ونسب تميزهم عن غيرهم – وترجع أصولها إلى الماضي- وتدفعهم إلى اتخاذ مواقف موحدة في كثير من المواجهات الرئيسية في القضايا السياسية بالدرجة الأولى وفي الميادين الثقافية بالدرجة الثانية. وبالتالي فإن الشعور القومي غير مرتبط بحالة او فترة ولا وجوده يرتبط بأي شخص أو مجموعة أو حزب أو حتى مؤسسة بذاتها على المدى القصير والمتوسط. لذلك، فلا خوف على القومية وعلى الشعور القومي من أي “تغريدات” أو “كلام” مهما كان مضمونها، أما اذا كان الشعور القومي يتأثر بهكذا أخبار يكون الأمر مختلطاً علينا ونكون بحالة “الوهن القومي” أو “الفوبيا القومية” التي لا ترقى الى الشعور المحصّن وبالتالي لا تخضع لرقابة القانون في المادتين المشار اليهما.

أما بالنسبة لنص المادة 317 عقوبات فهي المادة التي يمكن أن تنسب اليها أقوال الصحافي السوري سميح القاسم. وبتطبيقها يمكن استدعاؤه والتحقيق معه على أساس المادة 317 عقوبات التي لا بد من التحقق من توافر هعناصرها لكي تتمكّن المحكمة من الحكم على المتهم، وبذلك أيضاً لا يكون هناك مجال لتطبيق المادتين 295 و 296 عقوبات كما ورد في التقرير التلفزيوني. وبذلك يكون “الشعور القومي” بأمان حتى إشعار آخر ولحين هبوب زوبعة جديدة.

واستطراداً، فان المادة 317 عقوبات قد تصلح لجعل لبنان “رومية” كبيرة فمن يتابع مواقع “التقاتل” الاجتماعي يستنتج ان الشعب اللبناني أو جزء يسير منه يمارس رقصات الموت العنصري والمذهبي، تارة ضد التكفيريين مع الجيش، وطورا ضد الإعلاميين واللاجئين/النازحين مع “حق الوجود”.

بالإضافة الى ما سبق، أعتقد أن أفضل ما يمكن عمله هو الاحترام الذاتي للحريات (مصانة بالدستور!!) وللقانون والمؤسسات من خلال احترام عملها وعدم القفز فوق المشاعر وتشكيل مجموعات هدفها “الأخذ بثأر الدولة” و”صيانة الشعور القومي” من أي ضرر من خلال اقفال المكاتب والافواه مهما اختلفنتا معها. فأبعاد هكذا مجموعات قد يؤدي الى الأسوأ، فالعصبية والقومية خلّفت مآسي مذكورة في كتب التاريخ، كما يمكن الاستعانة بموقع youtube لأنصار المواقع الالكترونية.

رأيي بما “غرّد” به الصحافي فيصل القاسم أنه من قبيل العَمَى السياسي والمهني والتعصب الذي يودي بصاحبه الى الهاوية، ونفس الأمر ينطبق على من اعترضوا وأقفلوا مكاتب الجزيرة، التعصب لا يقابل بتعصّب أو على الدنيا السلام، علماً ان ما يجري حالياً في لبنان هو جنون رائحة الدماء والقلوب والأفكار المنطلقة من عقال الجهل الجاهزة للاشتعال عند أول “قدحة”.

شكراً للصحافية المجتهدة راشيل كرم ولتقاريرها الناجحة، أثرت معها مبدأ ان تكون المعلومات القانونية الواردة في تقريرها كما في أي تقرير مثبت من صحتها وكفايتها مع بعض المبالغة بتصوير امتعاضي، وقد كان ردّها سبباً لهذه التدوينة. شكراً لك من جديد راشيل.

الجيش اللبناني وعرسال: ما قبل وما بعد

فيم تنشر هذه المقالة  يبدأ الجيش اللبناني يومه الثالث في المعركة المفروضة عليه في عرسال. ولليوم الثاني يتكبّد الجيش اللبناني خسائر جسيمة على الرغم من المعنويات العالية التي يستمدها الجيش من المجتمع وتاريخه. وبعيداً عن فولكوريات التلفزيونات اللبنانية (أخبار الجديد) والاعلام بكل أشكاله وألوانه (موقع النهار الالكتروني) التي تعطي صورة مؤسفة عمّن يطلق العنان لشاشاته وصفحاته ومواقعه لأمراء الحروب ليل ونهار وفي يوم التوبة يبايع الجيش لحين انتهاء المهمة، ولا يعرف للشرعية غير معنى الدفاع عن الجيش، أما الباقي فهو ببساطة “وجهة نظر”.

وبعد هذا الاستطراد، وبالعودة الى الحرب التي يدافع فيها الجيش عن الوطن كفكرة وشكل، لا بد من طرح العديد من الملاحظات المتعلّقة بهذه الحرب، مع مراعاة ان كاتب السطور يقرأ ما هو أصلا موجود على الاعلام ولا أملك اية “مصادر” والحمدلله. اولا، ومن خلال المباغتة التي قام بها المتطرفون بالسيطرة على عرسال وكافة ما عليها وفيها من مراكز عسكرية وأمنية في هذا الوقت القصير يدعو من يلزم للتحقيق في أمر في غاية الخطورة: الجيش في عرسال، وهي قاعدة خلفية للمتطرفين وأمامية للجيش والسلطات الامنية، فكيف لا يتخذ تدابير احترازية لحماية مواقعه وثكناته، وكيف يُخطف عناصره بهذه السرعة وهذا التقاعس؟ فاذا لم يتحسّب لهكذا لحظة يقوم بها المجرمون بتجزيره يكون الجيش ارتكب إهمال خطير. ألا توجد استخبارات في المنطقة تعطي معلومات عن تحرّكات المجرمين؟ أتذكرون المجزرة التي تعرّض لها الجيش في الشمال عام 2007 حين ذُبح العسكريون ولم يكن هناك حماية “محترمة”؟

ثانيا، لقد استدعى الجيش الى عرسال حتى الساعة أفواج المجوقل والمغاوير والتدخل، ولمن لا يعلم فهذه الافواج هي عماد الجيش المقاتل وعقله الحربي، وهذا يعني ان المعركة في عرسال كبيرة لدرجة خطيرة. وهنا الخطورة؛ فبمقابل دخول الجيش القوي هناك خسائر بشرية يتكبّدها الجيش قاسية ان لم نقل أكثر. 24 ساعة يقع خلالها أكثر من 20 شهيد وعشرات الجرحى من نخبه المقاتلة، وبعيداً عن العواطف الجيّاشة فهي خسارة ثقيلة. والمزعج في هذا الاطار ان الجيش أمام حلول أسهلها الانتصار اذ بغير ذلك يدخل الجيش ومعه البلد في مشروع مروّع؛ اما الانتصار فهو الطريق الوحيد لرد الاعتبار لشهداء الجيش والمواطنين الابرياء الذين استشهدوا خلال هذه الاحداث لأن في الانتصار فقط حماية للبنان وكسر شوكة المتطرفين والمتأسلمين والطوائفيين في البلد الذين يحلمون بواحة “سنّية” وسلاح مقابل السلاح. من خلال الانتصار يعطي الجيش الاشارات للجميع في طرابلس والاقليم ورومية والشمال بأن يتعقّلوا ولا ينجرّوا وراء الافكار التقسيمية السنية، بل أن حماية الجميع تبقى من خلال وحدة الارض اللبنانية وسيادة دولة القانون والجيش (أقولها مع الاعتبار للواقع المزرعاتي في البلد).

غير ان ما يدور اليوم على الاعلام بأن الجيش والمسلحين يسعون لهدنة. واذا لم يأتِ في شروط الهدنة استلام الجيش الكامل لبلدة عرسال يقع الخطر، برأيي، حيث يكون الجيش قبل بوقائع معيّنة على أرض الواقع؛ قبول بسلطة المسلّحين في المنطقة الشرقية وتمهيدها لإعلان الخلافة الاسلامية، قبول بوساطة أشخاص لا ثقة فيهم يدخلون على خط المعركة من باب حماية عرسال لكي يحموا ويقوّوا ظهر المسلحين، اما أخيرا فهو قبول بأن الجيش بنخبه المقاتلة لم يستطع الحسم ما يدخل البلد في أتون الفلتان من طرابلس الى المخيمات وصيدا وكافة بؤر الفوضى. وحينها يكون انهيار الواقع اللبناني على من فيه دون استثناء وتقع موقعة سنية شيعية لن يبقى فيها من يخبر. فما بعد هدنة أو خسارة عرسال ستكون بداية النهاية لكيان

أمام هذا الواقع، لا بديل عن سيطرة الجيش على الارض العرسالية مهما كان الثمن ومهما كانت الوسيلة ولا يخفف أحد من خطورة الموقف، وليوقف المستقبل سمومه الشمالية لصالح صوت رئيسه ولتكن الرسالة قوية في دعم الجيش وخططه. وليعتبر حزب الله من أخطائه السابقة في تجريد المستقبل من كرامة كان يستند عليها فأتى من أتى وصار ما صار وراح المستقبل ضحية الرؤوس “المقاومة” الكبيرة وليقم بخطوات عملية في هذا الاطار من خلال دعم الجيش ولو من تحت الطاولة.

 

%d مدونون معجبون بهذه: