الاسلام المعتدل!؟

 تتوالى الأحداث الأمنية والسياسية والعسكرية في هذا الجانب “المضيء والمشعّ” من الكرة الأرضية، ولا يكاد يمر يوم من دون ان تسمع فيه عن الإسلام والإرهاب والتطرف وعمليات القتل. وعلى الرغم من أن مسرح العمليات وان كان يجري في محيط ضيّق نسبيا من حيث المساحة والكثافة السكانية مقارنة مع مجمل العالم، والإسلامي منه على الأخص، غير أن الجلبة من هذا المسرح تفوق كل الأصوات الأخرى.

لا شك أن الهمجية التي يتعامل بها ما يسمى بالإسلام السلفي أو الإسلام المتطرف، أو الإرهاب الإسلامي المتطرف، أو أية جماعة إرهابية تتخذ من الإسلام مرجعاً لها، هذه الهمجية مثيرة لدرجة أنها تستدعي الإعلام بأن يفرد لها الصفحات الأولى، بنيّة مبطّنة من كواليس الأمن والسياسة، من اجل تكبير الكبائر وتعظيمها. بالإضافة الى الجماعات التكفيرية هناك العديد من الشخصيات التكفيرية المتفرقة التي وللمصادفة تعيش في دول الصف الأول الأميركي البريطاني الفرنسي، وهي كلها تتفق على ان التكفير جزءاً من سلطتها الأرضية المستمدّة من الوحي الإلهي، وهي تأخذ القرآن بحرفيته والقليل من المفتين المتزمتين الذين لم تكن لهم صلاحية أيام حياتهم فإذا بها مع هؤلاء تنتعش في عصر العولمة الرقمية. فلا يكاد يمر يوم من دون أن تسمع بفتاوى لا تمت الى “روح الإسلام” و “روح القرآن” اذا كان لهما من روح؛ فمن منا لم يسمع بفتاوى تحريم مشاركة المسيحيين بعيد الميلاد، أو تحريم شراء أشجار والزينة الميلادية وتزيين منازل “المسلمين” فيها، وأخيراً وليس آخراً فتوى تحريم صنع “رجل الثلج”… من دون تعليق.

في مقابل الضجة التكفيرية في هذه المساحة العملياتية الصغيرة لا تكاد تسمع ولو وشوشة، أي كلام مما اصطلح على تسميته ب”الإسلام المعتدل”. قبل أن أكتب هذه النقالة قمت ببعض البحث الغوغلي لكي أتعرّف على تعريف واضح للإسلام المعتدل، وكل ما وجدته يصلح للإستنتاج بأن الإسلام المعتدل مفهوم حديث طابعه سياسي فضفاض قابل للموت في أي لحظة لأنه لا يستمد من الكتاب ولا من الفقهاء الأوائل أية شرعية، وينحصر بمجمله بأسلوب عيش وتفكير وممارسة للوقوف بوجه التطرف السياسي الإسلامي. ومع فقدان الشرعية “الكتابية” و”الفقهية القديمة” حاولت بعض المؤسسات الدينية من إضفاء “بعض” الشرعية عليه من خلال خطب المفتين “الرسميين” والأزهريين او بعضهم حتى، من دون نتيجة تذكر: فالمؤسسات الدينية أيضاً لا تعترف بالإسلام المعتدل ولا تجد له سبباً للوجود غير الوقوف الآني بوجه التطرف التكفيري، وكل امر إضافي هرطقة لا بد من محاربتها، فالإسلام دين ودنيا. والحق يقال أن الإسلام المعتدل خُلق مشوّها وما زال يستعطي الوجود من داخل النص والمؤسسة الدينيتين وهذا ما لن ينله.

نتيجة لما سبق يمكنني وضع تعريف الإسلام المعتدل كما يلي، مع الاعتذار بأن التعريف شخصي ولا يستمد من أية معارف إسلامية او “مدنية” معيّنة: هو الإسلام الذي لا تُجبر فيه النساء على ارتداء البرقع، ولا يملك فيه أي شخص او شيخ سلطة الإفتاء والتكفير. إنه الإسلام الذي لا يملك سلطة من خارج كنف السلطة او الدولة التي تأويه. هو الحزب السياسي الذي ينمتي اليه المسلم العادي . تعريف ليس متخصصاً أو علمياً لا بل أنه تعريف قاصر عن تفسير بعض الجوانب الأخرى التي تميّز هذا الشعار بالإضافة الى غيره من الممارسات. بالرجوع الى التفسير الواقعي للمفهوم أعلاه، في لبنان مثلاً تيار المستقبل يدّعي أنه يحمل لواء “الإسلام المعتدل”، بينما “حزب الله” لا يعترف بهكذا مصطلح، على حد علمي. أما في السعودية على سبيل المثال، وهي الراعية الرسمية لتيار المستقبل اللبناني، فإن الإسلام المعتدل هو ببساطة “الليبرالية” ومن لا يعرف معجم المصطلحات السعودي فإن الليبرالية تتوازى مع الصهيونية والماسونية والارتداد الديني. ومن هنا تعرف “سياسية” المصطلح وتفاهته. لذلك فسوف أستخدم فيما يلي مصطلح “الإسلام التقليدي” وهو المفهوم الاجتماعي للإسلام المنتشر عند المسلمين في بلاد الشام والمعروف عنه على أنه الأكثر حداثة والقدرة على التحاور مع الآخر وقبوله على مر التاريخ.

وكما قلت سابقاً بأن الإسلام التكفيري يمارس عمله في نطاق ضيق نسبياً غير أن لا أحد يجرؤ على اعتراض صوته ، منذ 11 أيلول 2001 وحتى اليوم وعلى الرغم من التطور العامودي الذي أخذه مسار الأحداث على صعيد تطوّر التكفير الإسلامي وممارساته الشنيعة، فانه لم يقابل بتطوّر مماثل على صعيد الإسلام التقليدي؛ لم يقم هذا الإسلام بالتعبير عن مصادر قوته بطريقة صريحة ولم يعمد الى تحديث الخطاب الدينو-سياسي من اجل ملاقاة المزاج الشعبي العام الرافض للتكفير، وبينما تعامل ب”ديمقراطية” زائدة في بعض الأمور، لم ينجح في استنبات الأنياب الدينية لكي يحارب بها التطرف الديني المدجج من ناحية أخرى، فبقي يتيماً يمارسه العديد على طريقة “التقية” الأقلّياتية. ولعل أبرز الأسباب لعدم استطاعة التيار الإسلامي التقليدي على مقارعة الإرهاب التكفيري (ليس على الصعيد العسكري الأمني) يعود الى:

  1. مع أن الإسلام التقليدي يعيشه الكثير من المسلمين وهو نظام عيش معمول به منذ زمن بعيد، غير أن من أهم صفاته انه قابل للتحلل في فترة قصيرة نسبياً ليحل محله التطرف أو في الظروف غير العادية. فكما أسلفنا إن الإسلام التقليدي هو نظام حياة مسالم غير قابل للتطور عند حدوث الخضات، ولكنه يبقى حياً على نطاق أضيق في تلك الحالة، أي بمعنى آخر لديه قدرات دفاعية وليس هجومية. من اهم خصائصه المسالمة مع الملل الأخرى وعدم القدرة على تحديث النصوص الدينية والممارسات الدينية في الإسلام، فهو يحيا على التقليد ولا يمكن له التحديث، حينئذ سينقلب التقليدي وينفرط عقده لما لهذا الأمر من خطوط حمراء لا يستطيع أحد تجاوزها.
  2. مع أن الإسلام التقليدي ظاهرة اجتماعية، غير انه لا يمكن أن يكون ظاهرة مؤسساتية أو مؤطّرة أو مجتمعية غايتها تحقيق أهداف محددة، وبالتحديد إقامة نظام سياسي عام. فبعد التجارب السياسية الأخيرة في العالم العربي والإسلامي، لا يمكن اعتبار الإسلام التقليدي جهاز قابل للسلطة، وكان عنوانه الفشل الذريع مع محاولات تدمير المدنيب لصالح الديني، وانصبغ بالإسلام السياسي وبالتالي مشروع تطرف أصولي سيقع بين الواجب “المدني” العام وبين الواجب “الديني” العام/الخاص وينتهي بالانحياز بالاتجاه الثاني. لم تستطع أي سلطة إسلامية ان تضمن استمرارية السلطة “المدنية” في مقابل هجمة الطابع الإسلامي لها، باستثناء التجربة التركية الحديثة مع ما طفا على الواجهة من انتقادات للسلطة الحالية التركية. كما ان دور الإفتاء التي تمثل السلطة القائمة في العديد من الدول لا تعدو كونها ناظم إداري وقانوني للهيئات والطوائف الإسلامية في تعاملاتها بين بعض ومع الطوائف والهيئات الأخرى وهي بالتالي غير قادرة عضوياً على لعب أي دور في هذا الاطار غير تحديد مواعيد الإفطار وأعياد المسلمين.
  3. التناقض في التصرفات بين الشخصي الخاص المنفتح وبين العام المجتمعي المتزمّت: فبينما على الصعيد الشخصي يمارس الانسان المسلم حياته (اتحدث عن بعض ولا أعمم) بطريقة مدنية عادية لا بل متحررة في بعض الأحيان، فإن نفس الشخص على الصعيد العام المجتمعي يلتزم الاطار العام وهو الاطار الذي يكون متزمّت في أكثر الأحيان، وهنا يقع التناقض بين الإطار الشخصي للممارسة الدينية والإطار العام الذي يتميّز بالتقوقع النسبي. ومثال ذلك يقوم مسلم بشراء شجرة ميلاد وتزيينها في بيته، وتهنئته المسيحي بعيد الميلاد أو أعياد أخرى مثلا، فهذا ينم عن انفتاح ثقافي على الرأي الآخر وعلى التسامح الإسلامي. اما على الصعيد العام فلا تجد شيخ أو مفتٍ يفتي بعدم تحريم شجرة الميلاد. مثال آخر بيع واستهلاك المشروبات الروحية، اذ ان العديد من المسلمين يشربون ويشترون المشروبات الكحولية غير انه ليس مقبولا وجود محلات بيع مشروبات كحولية في المناطق ذي الغالبية المسلمة، مع الإخذ بعين الإعتبار بأن الأمر هنا نسبي أيضاً. التناقض يقوم في هذه الأمثلة وغيرها بين التصرف الشخصي في أمور دينية محرّم وقبوله اجتماعيا وشخصياً.
  4. في حضرة العام يغيب الخاص: وكما قلت فيما سبق فإن الاطار الخاص للإسلام التقليدي على الصعيد الشخصي هو جد متطور ومنفتح وفيه ممارسات تناقض بطبيعتها ما يقال أو يتم نشره عن الإسلام، غير انها محصورة ولا تؤثر ايجابياً على الإطار العام المجتمعي. لا بل ان الاخير يؤثّر بطريقة معاكسة على الخاص. واكبر مثال على ذلك هو غياب الحراك الاجتماعي العام في مواجهة التكفير الإرهابي؛ فمع ان معظم المسلمين ان لم يكونوا جميعا يعادون التكفير الإرهابي، فلم نسمع أو نرى أو نشهد أية مظاهرة أو تحرّك أو حراك (خارج الصحوات المعروفة المنشأ) في مواجهة الإرهاب التكفيري، منذ أحداث 11 أيلول 2001 وحتى اليوم على الرغم من وقوع مئات الآلاف من الضحايا لهذا الإرهاب التكفيري.

بالإضافة الى ما سبق لا بد من وجود العديد من الأسباب الأخرى التي تضيف على ما أحاول قوله، والمحصلة أن الإسلام التقليدي هو طريقة عيش مسالمة لا تمتلك من أدوات تمكّنها من الهجوم وتحقيق الإنجازات مع قدرة محدودة على الدفاع عندما يحشر في المربع الأخير، أي الدفاع عن الرمق الأخير للحق في العيش. وبذلك يكون الإسلام التقليدي جهاز سلبي يتلقى ولا يتفاعل بالطريقة الأنسب لحماية وجوده وللدفاع عمّا ينادي به هذا الإسلام من روح سمحاء للإسلام تستحق نشرها وتعميمها. أضف الى ذلك بأن الإسلام التقليدي يعجز في الدفاع عمّا يؤمن به سواء مما ورد في الكتاب او في الممارسة اليومية في مواجهة التكفير الأصولي الذي يستمد من ظاهر النص أحكامه؛ فإذا واجه وشكّك فإنه سيهاجم ويشكك بما ورد من ظاهر النص، وهو نص مقدس في جزئيته وفي مجمله، مما يؤدي الى إعطاء التطرف سلطة إهدار الدم عندما يتم التشكيك بالنص، وبالتالي قيام عملية ترهيب جماعية بحق الإسلام التقليدي تؤدي الى ارتداده وتقوقعه كما يحصل الآن.

في النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي

زوبعة جديدة تنضم الى زوابع السماء اللبنانية المتلبّدة أصلا بما يكفي من عواصف وغيوم تنذر بشتاء قارس؛ وهذه الزوبعة هي تغريدة للصحافي السوري فيصل القاسم على موقع تويتر يهزأ فيها من الجيش اللبناني بطريقة لا مهنية، بل بطريقة مسيئة للجيش اللبناني قكتب فيها: “انجازات الجيش اللبناني منذ تأسيسه: تصوير كليبات غنائية مع وائل كفوري مع نجوى كرم مع أليسا مع هيفا حرق مخيمات السوريين بعرسال م ابوالقاسم”

وللعلم فقط أنشر مضمون التغريدة/الزوبعة والتي نتج عنها اقفال لمكتب الجزيرة في بيروت من قبل بعض الشبان في مشهد أصبح حصوله يومياً هو القاعدة وليس الاستثناء، مع العلم ان أغلبية الشبان يطالبون بسلطة الدولة والقانون، ولكن بتدابير غير قانونية ولادولتية

Doc3_001

وبالأمس شاهدت تقريراً في نشرة الاخبار المسائية لقناة الجديد قدّمته الصحافية راشيل كرم عن الحادثة المشار اليها أعلاه، وفيها صرّح أحد المحامين الضيوف بأن أفعال الصحافي القاسم هي بطبيعتها أفعال جرمية وينطبق عليها قانون العقوبات اللبناني، وبنتيجة اعتراضي على مضمون “الاستشارة القانونية” الذي أثرته على موقع تويتر والرد من قبل الصحافية راشيل كرم قررت إيضاح مضمون المواد المثارة.

بالانتقال الى مضمون ما سرده المحامي بأن أفعال الصحافي تنطبق عليها المواد\ التالية: 295، 296، 317 عقوبات لبناني.

وضمانا للمعرفة، هاكم مضمون المواد المذكورة:

  • المادة 295: ” من قام في لبنان في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاية ترمي إلى أضعاف الشعور القومي أو الى إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالاعتقال المؤقت.”
  • المادة 296- ” يستحق العقوبة نفسها من نقل في لبنان في الأحوال عينها أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة. إذا كان الفاعل يحسب هذه الأنباء صحيحة فعقوبته الحبس ثلاثة أشهر على الأقل.”
  • المادة 317- معدلة وفقا للقانون تاريخ 1/12/1954 والقانون 239 تاريخ 27/5/1993 “كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة إلى ثمانمائة ألف ليرة وكذلك بالمنع من ممارسة الحقوق المذكورة في الفقرتين الثانية والرابعة من المادة 65 ويمكن للمحكمة أن تقضي بنشر الحكم.”

لتطبيق المادتين 295 و296 عقوبات لا بد من توافر الشروط المجتمعة التالية:

  1. حصول الجرم على الأراضي اللبنانية
  2. حصول الجرم في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها.
  3. القيام بدعاية ترمي الى اضعاف الشعور القومي أو الى ايقاظ النعرات العنصرية او المذهبية (295)
  4. نقل أنباء يعرف الجاني أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة (296)

بأخذ تغريدة الصحافي القاسم موضوع المقالة، نستنتج ما يلي:

  1. الجيش اللبناني بالفعل صوّر فيديو كليب مع نانسي عجرم وأليسا ونجوى كرم، هي اذا وقائع لا لبس فيها ولا جرم في تناقلها.
  2. أما بالنسبة لحرق مخيمات اللاجئين بعرسال، تصريحات الجيش والاعلام تفيد بأن من حرق المخيمات هم الارهابيون أو المتعاملين معهم من داخل المخيمات، وعلى هذا الأساس فان هذه المعلومة غير صحيحة، وتخضع لتسبيب قانوني يختلف عن التسبيب الوارد في المادتين 295 و296 عقوبات.

ولكي يبقى للعقل والمنطق مكان في رقصة الجنون والموت اليومي في حياة كل لبناني وعلى مواقعه الالكترونية وشاشاته وهواتفه، هل لأحد أن يشرح ويبرّر كيف ان عبارة “إنجازات الجيش اللبناني حرق مخيمات السوريين بعرسال” حسب ادّعاء الصحافي فيصل القاسم يمكن أن “ترمي الى اضعاف الشعور القومي أو الى ايقاظ النعرات العنصرية والمذهبية” أو “توهن نفسية الامة” وكيف أصبح شعورنا القومي بهذه الهشاشة ام بهذه الحساسية؟

الشعور القومي أو القومية بشكل أعم حسب تعريفات معظم الباحثين او المتخصصين على اختلافهم، هو هذا الشعور بين جماعة من الناس بما يربطهم من روابط مشتركة من ثقافة ونسب تميزهم عن غيرهم – وترجع أصولها إلى الماضي- وتدفعهم إلى اتخاذ مواقف موحدة في كثير من المواجهات الرئيسية في القضايا السياسية بالدرجة الأولى وفي الميادين الثقافية بالدرجة الثانية. وبالتالي فإن الشعور القومي غير مرتبط بحالة او فترة ولا وجوده يرتبط بأي شخص أو مجموعة أو حزب أو حتى مؤسسة بذاتها على المدى القصير والمتوسط. لذلك، فلا خوف على القومية وعلى الشعور القومي من أي “تغريدات” أو “كلام” مهما كان مضمونها، أما اذا كان الشعور القومي يتأثر بهكذا أخبار يكون الأمر مختلطاً علينا ونكون بحالة “الوهن القومي” أو “الفوبيا القومية” التي لا ترقى الى الشعور المحصّن وبالتالي لا تخضع لرقابة القانون في المادتين المشار اليهما.

أما بالنسبة لنص المادة 317 عقوبات فهي المادة التي يمكن أن تنسب اليها أقوال الصحافي السوري سميح القاسم. وبتطبيقها يمكن استدعاؤه والتحقيق معه على أساس المادة 317 عقوبات التي لا بد من التحقق من توافر هعناصرها لكي تتمكّن المحكمة من الحكم على المتهم، وبذلك أيضاً لا يكون هناك مجال لتطبيق المادتين 295 و 296 عقوبات كما ورد في التقرير التلفزيوني. وبذلك يكون “الشعور القومي” بأمان حتى إشعار آخر ولحين هبوب زوبعة جديدة.

واستطراداً، فان المادة 317 عقوبات قد تصلح لجعل لبنان “رومية” كبيرة فمن يتابع مواقع “التقاتل” الاجتماعي يستنتج ان الشعب اللبناني أو جزء يسير منه يمارس رقصات الموت العنصري والمذهبي، تارة ضد التكفيريين مع الجيش، وطورا ضد الإعلاميين واللاجئين/النازحين مع “حق الوجود”.

بالإضافة الى ما سبق، أعتقد أن أفضل ما يمكن عمله هو الاحترام الذاتي للحريات (مصانة بالدستور!!) وللقانون والمؤسسات من خلال احترام عملها وعدم القفز فوق المشاعر وتشكيل مجموعات هدفها “الأخذ بثأر الدولة” و”صيانة الشعور القومي” من أي ضرر من خلال اقفال المكاتب والافواه مهما اختلفنتا معها. فأبعاد هكذا مجموعات قد يؤدي الى الأسوأ، فالعصبية والقومية خلّفت مآسي مذكورة في كتب التاريخ، كما يمكن الاستعانة بموقع youtube لأنصار المواقع الالكترونية.

رأيي بما “غرّد” به الصحافي فيصل القاسم أنه من قبيل العَمَى السياسي والمهني والتعصب الذي يودي بصاحبه الى الهاوية، ونفس الأمر ينطبق على من اعترضوا وأقفلوا مكاتب الجزيرة، التعصب لا يقابل بتعصّب أو على الدنيا السلام، علماً ان ما يجري حالياً في لبنان هو جنون رائحة الدماء والقلوب والأفكار المنطلقة من عقال الجهل الجاهزة للاشتعال عند أول “قدحة”.

شكراً للصحافية المجتهدة راشيل كرم ولتقاريرها الناجحة، أثرت معها مبدأ ان تكون المعلومات القانونية الواردة في تقريرها كما في أي تقرير مثبت من صحتها وكفايتها مع بعض المبالغة بتصوير امتعاضي، وقد كان ردّها سبباً لهذه التدوينة. شكراً لك من جديد راشيل.

الجيش اللبناني وعرسال: ما قبل وما بعد

فيم تنشر هذه المقالة  يبدأ الجيش اللبناني يومه الثالث في المعركة المفروضة عليه في عرسال. ولليوم الثاني يتكبّد الجيش اللبناني خسائر جسيمة على الرغم من المعنويات العالية التي يستمدها الجيش من المجتمع وتاريخه. وبعيداً عن فولكوريات التلفزيونات اللبنانية (أخبار الجديد) والاعلام بكل أشكاله وألوانه (موقع النهار الالكتروني) التي تعطي صورة مؤسفة عمّن يطلق العنان لشاشاته وصفحاته ومواقعه لأمراء الحروب ليل ونهار وفي يوم التوبة يبايع الجيش لحين انتهاء المهمة، ولا يعرف للشرعية غير معنى الدفاع عن الجيش، أما الباقي فهو ببساطة “وجهة نظر”.

وبعد هذا الاستطراد، وبالعودة الى الحرب التي يدافع فيها الجيش عن الوطن كفكرة وشكل، لا بد من طرح العديد من الملاحظات المتعلّقة بهذه الحرب، مع مراعاة ان كاتب السطور يقرأ ما هو أصلا موجود على الاعلام ولا أملك اية “مصادر” والحمدلله. اولا، ومن خلال المباغتة التي قام بها المتطرفون بالسيطرة على عرسال وكافة ما عليها وفيها من مراكز عسكرية وأمنية في هذا الوقت القصير يدعو من يلزم للتحقيق في أمر في غاية الخطورة: الجيش في عرسال، وهي قاعدة خلفية للمتطرفين وأمامية للجيش والسلطات الامنية، فكيف لا يتخذ تدابير احترازية لحماية مواقعه وثكناته، وكيف يُخطف عناصره بهذه السرعة وهذا التقاعس؟ فاذا لم يتحسّب لهكذا لحظة يقوم بها المجرمون بتجزيره يكون الجيش ارتكب إهمال خطير. ألا توجد استخبارات في المنطقة تعطي معلومات عن تحرّكات المجرمين؟ أتذكرون المجزرة التي تعرّض لها الجيش في الشمال عام 2007 حين ذُبح العسكريون ولم يكن هناك حماية “محترمة”؟

ثانيا، لقد استدعى الجيش الى عرسال حتى الساعة أفواج المجوقل والمغاوير والتدخل، ولمن لا يعلم فهذه الافواج هي عماد الجيش المقاتل وعقله الحربي، وهذا يعني ان المعركة في عرسال كبيرة لدرجة خطيرة. وهنا الخطورة؛ فبمقابل دخول الجيش القوي هناك خسائر بشرية يتكبّدها الجيش قاسية ان لم نقل أكثر. 24 ساعة يقع خلالها أكثر من 20 شهيد وعشرات الجرحى من نخبه المقاتلة، وبعيداً عن العواطف الجيّاشة فهي خسارة ثقيلة. والمزعج في هذا الاطار ان الجيش أمام حلول أسهلها الانتصار اذ بغير ذلك يدخل الجيش ومعه البلد في مشروع مروّع؛ اما الانتصار فهو الطريق الوحيد لرد الاعتبار لشهداء الجيش والمواطنين الابرياء الذين استشهدوا خلال هذه الاحداث لأن في الانتصار فقط حماية للبنان وكسر شوكة المتطرفين والمتأسلمين والطوائفيين في البلد الذين يحلمون بواحة “سنّية” وسلاح مقابل السلاح. من خلال الانتصار يعطي الجيش الاشارات للجميع في طرابلس والاقليم ورومية والشمال بأن يتعقّلوا ولا ينجرّوا وراء الافكار التقسيمية السنية، بل أن حماية الجميع تبقى من خلال وحدة الارض اللبنانية وسيادة دولة القانون والجيش (أقولها مع الاعتبار للواقع المزرعاتي في البلد).

غير ان ما يدور اليوم على الاعلام بأن الجيش والمسلحين يسعون لهدنة. واذا لم يأتِ في شروط الهدنة استلام الجيش الكامل لبلدة عرسال يقع الخطر، برأيي، حيث يكون الجيش قبل بوقائع معيّنة على أرض الواقع؛ قبول بسلطة المسلّحين في المنطقة الشرقية وتمهيدها لإعلان الخلافة الاسلامية، قبول بوساطة أشخاص لا ثقة فيهم يدخلون على خط المعركة من باب حماية عرسال لكي يحموا ويقوّوا ظهر المسلحين، اما أخيرا فهو قبول بأن الجيش بنخبه المقاتلة لم يستطع الحسم ما يدخل البلد في أتون الفلتان من طرابلس الى المخيمات وصيدا وكافة بؤر الفوضى. وحينها يكون انهيار الواقع اللبناني على من فيه دون استثناء وتقع موقعة سنية شيعية لن يبقى فيها من يخبر. فما بعد هدنة أو خسارة عرسال ستكون بداية النهاية لكيان

أمام هذا الواقع، لا بديل عن سيطرة الجيش على الارض العرسالية مهما كان الثمن ومهما كانت الوسيلة ولا يخفف أحد من خطورة الموقف، وليوقف المستقبل سمومه الشمالية لصالح صوت رئيسه ولتكن الرسالة قوية في دعم الجيش وخططه. وليعتبر حزب الله من أخطائه السابقة في تجريد المستقبل من كرامة كان يستند عليها فأتى من أتى وصار ما صار وراح المستقبل ضحية الرؤوس “المقاومة” الكبيرة وليقم بخطوات عملية في هذا الاطار من خلال دعم الجيش ولو من تحت الطاولة.

 

طريق الشام الشيطانية

لطالما كان الترابط اللبناني السوري عامل معقّد ومتشابك ومؤثّر على البلدين على مر التاريخ الحديث، القديم وما قبله. وعلى الرغم من التناقضات المحلية اللبنانية-السورية التي تسعى لفك هذا الترابط، مثل اليمين اللبناني والسوري، او التكتلات الطائفية “المتأسرلة”، أي الطامحة بالتقسيم الطائفي الذي يعطي لها “مرقد عنزة” في قرنة ما على امتداد البلدين…

ومنذ اندلاع الاحداث السورية ولبنان يلاعب القدر، يراقص النيران، ويقفز من حبل الى آخر، متخذاً سياسة النأي بالنفس صمام امان واهٍ بغطاء دولي من أجل عزل جزئي للاحداث السورية عن لبنان. غير ان الواقع له دلالات ومعان اكثر مما تتفوّه به ألسنة المسؤولين كما المعارضين. الشمال ساحة لوجستية لدعم الثوار، ولو كان المنطلق الأخوة والجوار لكان الامر مقبولا، غير انّه حين يكون السبب طائفياً ومذهبياً بامتياز يكون للدعم معنى آخر؛ ان يقوم سني الشمال بدعم سني الريف السوري في ثورته ضد النظام البعثي – علوي، تنفتح الساحة أمام شياطين التاريخ والدين والجغرافيا والجيوبوليتيك والبترودولار والهرطقات بكامل أرديتها الدينية – المتديّنة التي لا تعرف الاله الاّ في ظاهره…

وغير الشمال، البقاع اللبناني له وجهتان: الاولى من عرسال وبريتال ولواحقهما كالقاع حيث يستمر الدعم اللوجستي للمعارضة ذهاباً واياباً. اما الثانية فمن الهرمل والقرى الشيعية فيها، حيث يقوم فيها “مقاومو” حزب الله بدور ملتبس: علناً يقول الاهالي ان الحزب يدافع عن القرى الشيعية المعزولة من هجمات المعارضين “السنة”. بينما هؤلاء يدّعون بأن الحزب متورّط بدعم وملاحقة الثوار أثناء تنقّلهم، حرس حدود سوري يعني… وما إعلان الحزب عن تشييع شهداء له سقطوا في أو بسبب الاحداث السورية الاّ تورّط علني منحاز لصالح النظام الاقلّوي العلوي في دمشق. وما بين الدعم السني العلني للثوار، ودعم حزب الله للنظام، ترتسم خارطة جغرافية – سياسية في لبنان على غرار خطوط التماس الحرب اهلوية في الثمانينات، “خط الشام”

“خط الشام” في لبنان  لمن لا يعرف هو الطريق الدولية التي تصل بيروت بدمشق، وهو تاريخيا طريق الانفتاح السوري على العالم الغربي من خلال بيروت، وطريق الاستشراق اللبناني على الداخل العربي من خلال الشام وعبرها. وكما تنتقل البضائع بين العاصمتين كذلك تنتقل النكبات والافكار “الهدّامة” حسب طبيعة النظام التي يتلقّى هذه الافكار. واذا كان من نجاح يسجّل للرئيس حافظ الاسد، فهو كان في خنق تبادل الافكار والخطط على طريق بيروت الشام، مع استمرار تدفّقها على طريق الشام بيروت؛ قمع أي مجال لأي تحرّك دمشقي سوري – لبناني  يمكن ان يشكّل أي تهديد محتمل لحكم الاسد الاوتوقراطي، وبالمقابل تصدير الممارسات الامنية والسياسية من دمشق الى بيروت، وتشكيل أنظمة أمنية لبنانية موالية للنظام في دمشق. وفي هذا الاطار يمكن تسجيل نجاح باهر لسياسة تصدير الامن الى لبنان، حيث خلا الاخيرمن أي حراك سياسي مؤثّر داخلياً وخاجياً بمعزل عن المقص السوري… وذوت بيروت !!

اما اليوم، فباستعادة الصحف اللبنانية الصادرة اليوم على الانترنت، تتبّعت خبرين متناقضين يشكّلان مسار تصاعدي وتبدّل في الاحداث؛ الاول  هو “تهريب” وزير الداخلية السوري من بيروت الى دمشق عبر “طريق الشام” خوفاً من استصدار مذكرة توقيف دولية او لبنانية بحقّه، والخبر الثاني هو انشقاق رئيس الشرطة العسكرية السورية عن النظام البعثي – الاسدي واعلانه الانضمام للثوار، وهروبه الى بيروت أو عبرها الى مكان آخر عبر “طريق الشام”. هكذا من خلال هذين الخبرين تنكشف الاحداث لبنانياً؛ فلبنان لم يعد مصدر قوة لدمشق، بل الخطر الآتي من الغرب لا بد ان يمر عبر بيروت وطرابلس. وهو يأتي بصور وأحداث غير متوقعة. وللعلم ان الحرفة اللبنانية الاسهر عبر التاريخ هي التجارة، ومن لواحق التجارة هي الترانزيت، أي تحضير البضائع في مرفأ أو مستودع معيّن تمهيدا لإعادة تصديرها او نقلها الى مكان آخر. وهكذا الخطط والملاحق والذخائر… ولبنان الذي لم يعد مصدر قوة للشام هو واضح في خياراته؛ ساحة صراع بين طرفين، الاول آفل لا محالة، والثاني صاعد من دون ضوابط سياسية او أخلاقية في بلد تحكمه توازنات دينية وسياسية، هذه التوازنات هي “شيطانية” بامتياز. فمن كان ليتخيّل أن الوزير السوري سيضطر “للهرب” علناً خوفاً من توقيفه؟ ومن كان يتخيّل ان يستصدر القضاء العسكري – الذي يمكن القول أنه الابن غير الشرعي للنظام الامني السوري في لبنان – مذكرة توقيف وادّعاء على اللواء السوري علي المملوك؟؟

تتغيّر الاحداث وتنقلب التواريخ وتبقى “طريق الشام” ثابتة في وظيفتها الشيطانية العابرة للدول؛ لبنان الذي يعشق النظر نجو الافق الغربي لا يطم~ن لقوافل الشرق الصحراوية ، فبالنسبة إليه تشكل طريق الشام “الخطر الآتي من الشرق”. اما في سوريا التي ترتاح بمحيطها الصحراوي وعمقها الشرقي، لا ترحّب بالقوافل الآتية من الجبل اللبناني وما ورائه من عبر البحار، فبالنسبة  لهم تشكل “طريق الشام” “الخطر الآتي من الغرب”. هكذا كانت الوظيفة وهكذا ستبقى وما أحداث الايام الحاضرة الا تأكيد على الفكرة.

عود على بدء…. رباعي الجلجلة: بلفور، سايكس، بيكو ومكماهون

الحياة  صراع، وهي صراع بين الاقوياء على تقاسم النفوذ، صراع ينظّمه ويخطّط له هؤلاء، وينفذّه الضعفاء الذين يعيشون تداعياته وويلاته، ولا حول لهم في تغييره ولا قوة. واذا كان الوصف يرتكز على الافراد، فإنه من دون شك صالح للتطبيق على الدول

ففي الدول العربية بشكل عام، والمشرقية منها بشكل خاص، نجد ان “فعل” الانظمة القائمة فيها من ناحية التخطيط وتنظيم الصراعات مع الانظمة الاخرى المجاورة والبعيدة توقف، أو أصيب بشلل تام منذ مئات السنين، بشكل أخص منذ ضعف الدولة العباسية حتى مجيء الدولة العثمانية بدايات العام ١٥٠٠. وعلى الرغم من ان العرب نجحوا في التخلّص من الحكم العثماني العام ١٩١٨ مع نهاية الحرب العالمية الاولى، غير انهم لم يكونوا في مرتبة “الاقوياء” القادرين على تحديد مصائرهم، مع ان الحرب العالمية الاولى انتهت مع هبوب عناصر التغيير والاستقلال في مختلف النواحي المستعمرة. ومن أبرز عوامل “الشقاء العربي” اذا أمكنت تسميته كذلك، هي ثلاثية وعد بلفور – اتفاقية سايكس بيكو – مراسلات الحسين مكماهون

وعد بلفور

للمرة الوحيدة في التاريخ البشري الحديث (أقلّه) تقوم دولة باقتطاع كيان أو دولة أخرى وإعطائه لمجموعة لا تقطن المساحة المستقطعة، بل ولا تمت لها بأي صلة، وذلك بعملية ابتزاز وتواطؤ فاضح بين الدولة البريطانية والمتموّل اليهودي البارون “والتر روتشيلد”    ومن ورائه المنظمة الصهيونية العالمية. “وعد بلفور” انه الوعد الذي غيّر مسار الاحداث في منطقة المشرق العربي وما وراءه للأبد، والذي أتت من بعده اتفاقية سايكس – بيكو الشهيرة والتي نقضت كل ما كان قد تم الاتفاق عليه بين الشريف الحسين والسفير مكماهون في ٢ نوفمبر ١٩١٧ وفيه تأييد حكومة جلالة الملك البريطاني بشخص وزير الخارجية البريطاني السير آرثر بلفوربإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، والتالي نص الرسالة مترجم للعربية عن ويكيبيديا

نص الرسالة الاصلي بالانكليزية وصورة السير بلفور (via wikimedia.org)

وزارة الخارجية

في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

“إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”.

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جيمس بلفور

ومنذ العام ١٩١٧ وحتى اليوم، نعيش في العالم العربي تداعيات هذا الوعد، فمن المعروف انه في نهاية الحرب العالمية الاولى وهزيمة الاتراك على يد الحلفاء، ودخول هؤلاء فلسطين، سوريا، لبنان والعراق، كانت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية قد اتفقوا سراً على تقسيم المنطقة بشكل يلائم نفوذ الدول الثلاث، مع مراعاة بريطانيا لوعد بلفور واتاحة الوقت امام الصهيوني القادم من مختلف البلاد من تدبير أموره قبل الاعلان الرسمي للدولة الناشئة. ولا بد من ابراز التناقض في التصرفات والوعود في بريطانيا التي تقودها مصالحها، بين وعد بلفور ومراسلات الحسين – مكماهون التي بدأت بتاريخ سابق، والتي سنذكرها لاحقاً، حيث ان بريطانيا التزمت التزاماً قطعياً بالوعد الاول، بينما لم تعر المراسلات الثانية أية أهمية، ولم تتعدّ أهميّتها تأليب العرب ضد الاتراك

فبعد نشوء دولة اسرائيل، قامت في المنطقة  ١٠ حروب كانت إسرائيل طرفاً فيها جميعاً

عدوان  ١٩٥٦ اسرائيل فرنسا وبريطانيا ضد مصر

حرب  ١٩٦٧ اسرائيل ضد العرب مجتمعين

حرب ١٩٧٣ سوريا ومصر ضد اسرائيل مع هجوم مضاد بعد أيّام من قبل هذه الاخيرة

اجتياح لبنان الاول ١٩٧٨

اجتياح بيروت ١٩٨٢

الانتفاضة الفلسطينية ١٩٨٧ أول حركة احتجاجية داخل الاراضي المحتلة

حرب تموز ١٩٩٢ اسرائيل ضد لبنان

حرب نيسان ١٩٩٦ اسرائيل ضد لبنان

حرب تموز ٢٠٠٦ اسرائيل ضد لبنان

 عدوان غزة ٢٠٠٨ اسرائيل ضد غزة

عدوان غزة ٢٠١٢

ومناسبة الحديث عن وعد بلفور هو الواقع الحالي لمنطقة المشرق العربي. ففي الصورة هناك سوريا، لبنان والعراق. وكل هذه الدول لديها مشاكل داخلية، طائفية ومذهبية. انتج وعد بلفور دولة اسرائيل اليهودية القومية، في محيط فيه ما لا يقل عن ثلاثة أجيان واكثر من ٢٠ طائفة وعرق مختلفين، أي انه محيط أقليات اوجدت لنفسها عبر السنين والقرون طريقة للتعايش والتفاعل السلمي. فإذا بالوجود “القومي” اليهودي يأتي مع سياسة الاقلّيات-القوميات، من الاقلية المارونية، التي لم تقو على حكم لبنان من دون قاعدة التعايش والتفاعل السالفة الذكر، الى الاقلية العلوية في سوريا التي حكمت وتحكم سوريا منذ العام ١٩٦٣ والتي تمارس أبشع عمليات القتل الجماعي لكي تستمر في حكمها وقمعها للاكثرية السنية وللفئات المطالبة بالحرية مهما كان انتماءها. بالاضافة الى الاقلية الدرزية التي حاولت اسرائيل تفعيلها من خلال تنمية هذه القومية وعرض الحكم الذاتي في منطقة جبل الدروز أو منطقة الشوف حتى وادي التيم في البقاع اللبناني، من دون اي نجاح يذكر، بل ويسجّل للثورة الدرزية العام ١٩٢٦ في سوريا التي أصبحت الثورة السورية الكبرى انّها أحبطت سياسة تقسيم سوريا الى أربعة دول طائفية كما سيأتي ذكره…

اتفاقية سايكس بيكو

والحديث عن وعد بلفور ينقلنا حكماً الى تناول اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا – وروسيا القيصرية، التي انسحبت بعد نجاح الثورة البولشفية العام ١٩١٧، والتي تم توقيعها بين كل من “فرنسوا-جورج بيكو” ممثل فرنسا والمندوب السامي لمتابعة أمور الشرق الادنى، و”مارك سايكس” المندوب البريطاتي السامي لشؤون الشرق الادنى، وموضوعها تقاسم الولايات العثمانية المشرقية بعد التخلّص من الامبراطورية العثمانية. وبعد مفاوضات بين الطرفين بالاضافة الى روسيا القيصرية تم التوصل الى الاتفاق الشهير الذي بموجبه تحصل فرنسا على سوريا والولايات الغربية للمتوسط (لبنان) أما بريطانيا فإنها تسيطر على العراق (جنوب ووسط) بالاضافة الى مينائي عكا وحيفا في فلسطين، ويقوم اتحاد دول عربية في المنطقة بين القسمين الفرنسي والبريطاني بعد الاتفاق مع الشريف حسين. وتقوم روسيا بالسيطرة على الولايات الارمنية في تركيا وشمال كردستان، وتخضع فلسطين لادارة دولية. ونص المعاهدة كما يلي

المادة الأولى: إن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا دولة عربية برئاسة رئيس عربي في المنطقتين “آ” (داخلية سوريا) و”ب” (داخلية العراق) المبينة في الخريطة الملحقة بهذا الاتفاق. يكون لفرنسا في منطقة (آ) ولإنكلترا في منطقة (ب) حق الأولوية في المشروعات والقروض المحلية، وتنفرد فرنسا في منطقة (آ) وإنكلترا في منطقة (ب) بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب بناء على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية

 

المادة الثانية: يباح لفرنسا في المنطقة الزرقاء (سوريا الساحلية) ولإنكلترا في المنطقة الحمراء (منطقة البصرة) إنشاء ما ترغبان به من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو من المراقبة، بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية

 

المادة الثالثة: تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين)، يعين شكلها بعد استشارة روسيا وبالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة

 

المادة الرابعة: تنال إنكلترا ما يلي

١- ميناءي حيفا وعكا

٢- يضمن مقدار محدود من مياه دجلة والفرات في المنطقة (آ) للمنطقة (ب)، وتتعهد حكومة جلالة الملك من جهتها بألا تتخلى في أي مفاوضات ما مع دولة أخرى للتنازل عن جزيرة قبرص إلا بعد موافقة الحكومة الفرنسية مقدماً

 

المادة الخامسة: تكون اسكندرونة ميناء حراً لتجارة الإمبراطورية البريطانية، ولا تنشأ معاملات مختلفة في رسوم الميناء، ولا تفرض تسهيلات خاصة للملاحة والبضائع البريطانية. وتباح حرية النقل للبضائع الإنكليزية عن طريق اسكندرونة وسكة الحديد في المنطقة الزرقاء، سواء كانت واردة إلى المنطقة الحمراء أو إلى المنطقتين (آ) و(ب) أو صادرة منهما. ولا تنشأ معاملات مختلفة مباشرة أو غير مباشرة على أي من سكك الحديد أو في أي ميناء من موانئ المناطق المذكورة تمس البضائع والبواخر البريطانية

تكون حيفا ميناء حراً لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها، ولا يقع اختلاف في المعاملات ولا يرفض إعطاء تسهيلات للملاحة والبضائع الفرنسية، ويكون نقل البضائع حراً بطريق حيفا وعلى سكة الحديد الإنكليزية في المنطقة السمراء (فلسطين)، سواء كانت البضائع صادرة من المنطقة الزرقاء أو الحمراء، أو من المنطقتين (آ) و(ب) أو واردة إليها. ولا يجري أدنى اختلاف في المعاملة بطريق مباشر أو غير مباشر يمس البضائع أو البواخر الفرنسية في أي سكة من سكك الحديد ولا في ميناء من الموانئ المذكورة

 

المادة السادسة: لا تمد سكة حديد بغداد في المنطقة (آ) إلى ما بعد الموصل جنوباً، ولا إلى المنطقة (ب) إلى ما بعد سامراء شمالاً، إلى أن يتم إنشاء خط حديدي يصل بغداد بحلب ماراً بوادي الفرات، ويكون ذلك بمساعدة الحكومتين

 

المادة السابعة: يحق لبريطانيا العظمى أن تنشئ وتدير وتكون المالكة الوحيد لخط حديدي يصل حيفا بالمنطقة (ب)، ويكون لها ما عدا ذلك حق دائم بنقل الجنود في أي وقت كان على طول هذا الخط. ويجب أن يكون معلوماً لدى الحكومتين أن هذا الخط يجب أن يسهل اتصال حيفا ببغداد، وأنه إذا حالت دون إنشاء خط الاتصال في المنطقة السمراء مصاعب فنية أو نفقات وافرة لإدارته تجعل إنشاءه متعذراً، فإن الحكومة الفرنسية تسمح بمروره في طريق بربورة- أم قيس- ملقا- إيدار- غسطا- مغاير إلى أن يصل إلى المنطقة (ب)

 

المادة الثامنة: تبقى تعريفة الجمارك التركية نافذة عشرين سنة في جميع جهات المنطقتين الزرقاء والحمراء في المنطقتين (آ) و(ب)، فلا تضاف أية علاوة على الرسوم، ولا تبدل قاعدة التثمين في الرسوم بقاعدة أخذ العين، إلا أن يكون باتفاق بين الحكومتين. ولا تنشأ جمارك داخلية بين أي منطقة وأخرى في المناطق المذكورة أعلاه، وما يفرض من رسوم جمركية على البضائع المرسلة يدفع في الميناء ويعطى لإدارة المنطقة المرسلة إليها البضائع

 

المادة التاسعة: من المتفق عليه أن الحكومة الفرنسية لا تجري مفاوضة في أي وقت للتنازل عن حقوقها، ولا تعطي ما لها من الحقوق في المنطقة الزرقاء لدولة أخرى سوى للدولة أو لحلف الدول العربية، بدون أن توافق على ذلك مقدماً حكومة جلالة الملك التي تتعهد بمثل ذلك للحكومة الفرنسية في المنطقة الحمراء

 

المادة العاشرة: تتفق الحكومتان الإنكليزية والفرنسية، بصفتهما حاميتين للدولة العربية، على أن لا تمتلكا ولا تسمحا لدولة ثالثة أن تمتلك أقطاراً في شبه جزيرة العرب، أو تنشئ قاعدة بحرية على ساحل البحر المتوسط الشرقي، على أن هذا لا يمنع تصحيحاً في حدود عدن قد يصبح ضرورياً بسبب عداء الترك الأخير

 

المادة الحادية عشرة: تستمر المفاوضات مع العرب باسم الحكومتين بالطرق السابقة نفسها لتعيين حدود الدولة أو حلف الدول العربية

 

المادة الثانية عشرة: من المتفق عليه ما عدا ذكره أن تنظر الحكومتان في الوسائل اللازمة لمراقبة جلب السلاح إلى البلاد العربية

خريطة تظهر فيها تقسيم منطقة المشرق العربي بين فونسا وبريطانيا (via wikimedia.org)

وبإعادة النظر في نص الاتفاقية نستنتج التكامل بينها وبين وعد بلفور من خلال تأمين الحماية الدولية على أرض فلسطين تمهيداً لتنظيم الامور وتأسيس “الوطن القومي لليهود” على الارض الفلسطينية. وهو ما حصل لاحقاً مع انقلاب الحماية الدولية الى انتداب بريطاني مباشر على فلسطين انتهاءاً بإعلان دولة إسرائيل على جزء من فلسطين مع انسحاب البريطانيين بعد الحرب العالمية الثانية، وتأسيس دولة إسرائيل العام ١٩٤٧، ومن ثم توسيع الدولة المغتصِبة الى كامل التراب الفلسطيني بعد حرب ١٩٦٧. ولقد تم إعطاء الاتفاقية المذكورة الشرعية والغطاء الدوليين بعد الحرب العالمية الاولى من خلال اتفاقيتي سيفر العام ١٩٢٠ ولوزان العام ١٩٢٣ من خلال ما عرف بالانتدابين الفرنسي والبريطاني على المشرق العربي بحسب نص الاتفاقية المذكورة

أعلنت فرنسا في مناطق نفوذها الكيان اللبناني دولة مستقلة، والذي ضم بالاضافة الى جبل لبنان ذي الاستقلال الذاتي منذ أكثر من ثلاثماية عام، ولايات بيروت وطرابلس والبقاع اللبناني التابع آنذاك لولاية دمشق و الجنوب حتى الناقورة التابع آنذاك لولاية عكا. وتم تقسيم سوريا الى أربع دول (طائفية): دولة العلويين على الساحل السوري، دولة جبل الدروز في الجنوب السوري، دولة دمشق في الوسط، ودولة حلب بالاضافة الى سلخ لواء الاسكندرونة وضمّه لتركيا بعد العام ١٩٢٣. ولكن سياسة الفرنسيين اصطدمت بما عرف بالثورة السورية الكبرى التي اندلعت العام ١٩٢٣ وقادها سلطان باشا الاطرش  بوجه “الاحتلال” الفرنسي، وبنهايته تم احباط التقسيم الآنف الذكر وإعلان المعاهدة السورية الفرنسية العام ١٩٣٦ وتوحيد الدولة السورية والاعتراف بها دولة موحّدة

اما بريطانيا فإنها أعلنت الوصاية المباشرة على المناطق العراقية المحتلّة نم خلال تعيين مفوض سامي عليها (السير ارنولد ويلسن) غير ان العراقيين رفضوا الوصاية وحاربوها واندلعت المطالبات للاستقلال وتأسيس دولة حديثة تكون نواة الدولة العربية الكبرى حسب مراسلات الحسين-مكماهون، واستطاع العراقيون فرض إعلان المملكة العراقية بقيادة الملك فيصل الاول. وفي فلسطين تم إعلان الوصاية البريطانية المباشرة عليها تطبيقا لوعد بلفور، مع إعطاء شرق الاردن الحكم الذاتي. ويذكر التاريخ هنا المقولة الشهيرة للجنرال الانكليزي اللنبي يوم دخول القدس حين قال:”ها قد أتيناك يا صلاح الدين” في إشارة الى هزيمة الصليبيين على يد الاخير قبل ألف عام، بالاضافة الى مظاهر البهجة العارمة في  اوروبا من استعادة المسيحيين للأراضي المقدّسة في فلسطين. لاحقاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تم جلاء القوات الفرنسية عن لبنان وسوريا، والانتداب البريطاني عن العراق، كما تم إعلان إسرائيل دولة مستقلة العام ١٩٤٨ بعد صدور قرار تقسيم فلسطين العام ١٩٤٧ عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة

مراسلات الحسين مكماهون

ولتوضيح الصورة الكاملة للخطط الغربية على منطقة المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية، نتناول أيضاً مراسلات الحسين مكماهون؛ فهذه المراسلات بين الشريف الحسين بن علي، شريف مكة آنذاك قبل سيطرة آل سعود على أرجاء الجزيرة العربية، والسير هنري مكماهون، الممثل الاعلى للملك البريطاني في مصر، بين العامين ١٩١٥ و ١٩١٦، حيث كانت الحكومة البريطانية تحث العرب على الثورة ضد الاتراك. وللإطّلاع على النص الكامل  للمراسلات المتبادلة بين الرجلين على هذا الرابط

من هذه المراسلات الخمسة يمكن استنتاج التالي

أولاً: المراهقة السياسية التي تظهر من أسلوب ومضمون مراسلات الشريف الحسين والتي لا تراعي أنّه يراسل أكثر المؤسسات السياسية دهاء على مر التاريخ، وهي الدبلوماسية الخارجية البريطانية. اذ انّه يطلب وعد الانكليز بالحدود العربية قبل انتهاء الحرب مع الاتراك، مرفقاً طلبه بمساعدات غذائية وغيرها، فارضاً شروطاً ومستخدماً أسلوب أقل ما يمكن القول عنه أنّه قبلي بامتياز، لا مراوغة ولا دجل. ويبدو ان المراهقة االسياسية استمرّت في الخليج العربي – كما في المشرق وسائر بلدان العرب – حتى بعد مرور قرابة مئة عام على المراسلات

ثانياً: في المقابل فإن السير مكماهون الذي استلم رسالة الشريف الحسين لا تنقصه الحنكة ولا الخبرة من خلال استثارة مشاعر العظمة والتبجيل لدى الاخير ووصفه – من غير تعدٍّ – بالسيد المبجّل وسليل النسب الرسولي وغيرها من صفات الرجولة والشرف. كما انّه قد ردّ على طلبات الشريف الحسين المباشرة بمراوغة بريطانية معروفة ومتميّزة

ثالثاً: عدم وجود مشروع سياسي او حكم واضح لدى الشريف الحسين يتخطّى تأسيس “الدولة العربية الكبرى”، على الرغم مما أثاره ان الشعوب العربية راغبة ومتأمّلة بالحرية، غير أنّ لا يظهر في أي مكان من مراسلاته أنّه قد حضّر أو بصدد تحضير برنامج حكم، وهذا ما يبدو أنّه أراح الانكليز أكثر  والسير مكماهون الذي أخذ منه التزامات دون ان يعطيه غير التزامات عامة مع عدم المس بمصالح الحليفة فرنسا وبالاخص عدم بت أي أمر يتعلّق بالقدس وفلسطين

رابعاً:  من الواضح وجود قرار سياسي لدى البريطانيين بعدم التفريط بالاراضي العثمانية بعد تحريرها من الاتراك، بالتعاون مف الفرنسيين، وذلك يبدو جليّاً من خلال حرص مكماهون على استرضاء الشريف الحسين من خلال قبوله بمطالب الاخير – على مضض ومن دون تحديد واضح – كما من خلال الاموال والمساعدات العينية. فالهدف عندهم هو زج العرب في الثورة ضد الاتراك لكي يخف العبء عن الحلفاء في تلك المنطقة دون أي مضاعفات أو التزامات على الصعيد السياسي للمنطقة بعد الحرب

خامساً: اذا كان احتراف البريطانيين للابتزاز السياسي مشهوراً من خلال شراء الذمم والولائات، فإنّ احتراف حكام العرب منذ تلك الفترة وما قبلها وحتى اليوم مشهوراً في طلب المال مقابل الولاء أو تأمين مصالح أو إعطاء مكاسب اقتصادية أو سياسية معيّنة، في الخليج العربي (شبه الجزيرة العربية) كما في المشرق العربي وفي مصر والمغرب العربي. القصة نفسها تتكرّر من خلال الابتزاز المتبادل للولاءا توالمصالح على حساب الشعب

من الواضح ان المراسلات المذكورة لم يكن لها أي قيمة قانونية ولا معنوية، فهي في المنظار التاريخي للاحداث عملية ابتزاز سياسي قام به الشريف الحسين لانتزاع الشرعية الدولية للدولة العربية الكبرى، قابله احتراف سياسي ودبلوماسي بالتعامل البريطاني من خلال تمييع الاجابات وعموميّتها، زد عليها الاغداقات المالية والعينية لدفع الشريف الحسين الى الاسراع واعلان الثورة العربية على الحكم التركي في الاراضي العثمانية. واذا أظهرت شيء فإنها قد أبرزت اللا وعي العربي لدى معظم حكام تلك المنطقة، باستثناء من هو يقاوم في لبنان وسوريا من الاحرار، او المنفي الى مصر أو أوروبا

تشكّل المراجعة لتلك الاحداث – الوثائق الثلاث السالفة الذكر نقطة الانطلاق الاساس في التحليل السياسي الحالي للمنطقة العربية، المشرق العربي بالاخص. وبنتائجها على الدول فيها، سوريا على الاخص حيث قامت فيه الثورات الداخلية والانقلابات خاصة في خمسينات القرن الماضي، حتى قيام نظام حزب البعث العام ١٩٦٣ ولغاية اليوم، بعد الحركة التصحيحية العام ١٩٧٠ التي أتى من خلالها حافظ الاسد الى الحكم، والتي تعاني اليوم بشكل حاد وعميق من تلك التراكمات الحادة على كافة الاصعدة السياسية والاجتماعية-المجتمعية، والاقتصادية والثقافية، ففي آذار مارس العام ٢٠١١ قامت المعارضة السورية السلمية بوجه النظام الدكتاتوري، كامتداد للنهضة العربية الحديثة (وليست ربيع عربي)، وسرعان ما تحوّلت مع قسوة رد فعل النظام الى ثورة مسلّحة، فنزاع اجتماعي ريف ضد مدينة، حتى أصبح الامر صراع مذهبي، السنة ضد كل مكوّنات المجتمع السوري بالاخص العلويين، أو هكذا يحلو للنظام تصويره ليستمد من عنف الدولة الهمجي كل المشروعية. فالسؤال والحديث اليوم، ماذا لو أعادت القوى الكبرى الحديث عن اتفاقية سايكس-بيكو جديدة على طراز القرن الواحد والعشرين؟؟ لنقل اتفاقية اوباما-بوتين التي يتم فيها تقسيم سوريا الى دولتين أو حتى الى أربعة دويلات، تماما كما قرّر الطبّاخان البريطاني الفرنسي ذلك منذ مئة عام؟؟ لا شيء مستبعد، فما أثيره ليس سراً ولكن الآلية قد تختلف، فبدل التقسيم الفعلي، ربما يكون هنال تعديل دستوري تقوم بموجبه الدولة السورية الفدرالية، تماماً كالعراق الحديث

أما في فلسطين فإن العدوان الاسرائيلي لا يكاد يقف حتى تجد المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بصدد التحضير لبنك أهداف جديد، كذلك حماس والمقاومة الفلسطينية. ففلسطين الضحية الاولى للوثائق الثلاثة، وسوف تبقى كذلك ما بقي “العرب” – بمن فيهم أنظمة الحكم “الربيعية” “المسلمة” التي حكمت بعد العام ٢٠١١ والتي أثبتت قصر نظرها على صعيد تغيير السياسة العربية العامة تجاه فلسطين – طالما بقوا بعقلية الشريف الحسين؛ الاستنجاد بالاجنبي، التملّق له، وطلب الامن والامان

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 862 other followers

%d مدونون معجبون بهذه: