طريق الشام الشيطانية

لطالما كان الترابط اللبناني السوري عامل معقّد ومتشابك ومؤثّر على البلدين على مر التاريخ الحديث، القديم وما قبله. وعلى الرغم من التناقضات المحلية اللبنانية-السورية التي تسعى لفك هذا الترابط، مثل اليمين اللبناني والسوري، او التكتلات الطائفية “المتأسرلة”، أي الطامحة بالتقسيم الطائفي الذي يعطي لها “مرقد عنزة” في قرنة ما على امتداد البلدين…

ومنذ اندلاع الاحداث السورية ولبنان يلاعب القدر، يراقص النيران، ويقفز من حبل الى آخر، متخذاً سياسة النأي بالنفس صمام امان واهٍ بغطاء دولي من أجل عزل جزئي للاحداث السورية عن لبنان. غير ان الواقع له دلالات ومعان اكثر مما تتفوّه به ألسنة المسؤولين كما المعارضين. الشمال ساحة لوجستية لدعم الثوار، ولو كان المنطلق الأخوة والجوار لكان الامر مقبولا، غير انّه حين يكون السبب طائفياً ومذهبياً بامتياز يكون للدعم معنى آخر؛ ان يقوم سني الشمال بدعم سني الريف السوري في ثورته ضد النظام البعثي – علوي، تنفتح الساحة أمام شياطين التاريخ والدين والجغرافيا والجيوبوليتيك والبترودولار والهرطقات بكامل أرديتها الدينية – المتديّنة التي لا تعرف الاله الاّ في ظاهره…

وغير الشمال، البقاع اللبناني له وجهتان: الاولى من عرسال وبريتال ولواحقهما كالقاع حيث يستمر الدعم اللوجستي للمعارضة ذهاباً واياباً. اما الثانية فمن الهرمل والقرى الشيعية فيها، حيث يقوم فيها “مقاومو” حزب الله بدور ملتبس: علناً يقول الاهالي ان الحزب يدافع عن القرى الشيعية المعزولة من هجمات المعارضين “السنة”. بينما هؤلاء يدّعون بأن الحزب متورّط بدعم وملاحقة الثوار أثناء تنقّلهم، حرس حدود سوري يعني… وما إعلان الحزب عن تشييع شهداء له سقطوا في أو بسبب الاحداث السورية الاّ تورّط علني منحاز لصالح النظام الاقلّوي العلوي في دمشق. وما بين الدعم السني العلني للثوار، ودعم حزب الله للنظام، ترتسم خارطة جغرافية – سياسية في لبنان على غرار خطوط التماس الحرب اهلوية في الثمانينات، “خط الشام”

“خط الشام” في لبنان  لمن لا يعرف هو الطريق الدولية التي تصل بيروت بدمشق، وهو تاريخيا طريق الانفتاح السوري على العالم الغربي من خلال بيروت، وطريق الاستشراق اللبناني على الداخل العربي من خلال الشام وعبرها. وكما تنتقل البضائع بين العاصمتين كذلك تنتقل النكبات والافكار “الهدّامة” حسب طبيعة النظام التي يتلقّى هذه الافكار. واذا كان من نجاح يسجّل للرئيس حافظ الاسد، فهو كان في خنق تبادل الافكار والخطط على طريق بيروت الشام، مع استمرار تدفّقها على طريق الشام بيروت؛ قمع أي مجال لأي تحرّك دمشقي سوري – لبناني  يمكن ان يشكّل أي تهديد محتمل لحكم الاسد الاوتوقراطي، وبالمقابل تصدير الممارسات الامنية والسياسية من دمشق الى بيروت، وتشكيل أنظمة أمنية لبنانية موالية للنظام في دمشق. وفي هذا الاطار يمكن تسجيل نجاح باهر لسياسة تصدير الامن الى لبنان، حيث خلا الاخيرمن أي حراك سياسي مؤثّر داخلياً وخاجياً بمعزل عن المقص السوري… وذوت بيروت !!

اما اليوم، فباستعادة الصحف اللبنانية الصادرة اليوم على الانترنت، تتبّعت خبرين متناقضين يشكّلان مسار تصاعدي وتبدّل في الاحداث؛ الاول  هو “تهريب” وزير الداخلية السوري من بيروت الى دمشق عبر “طريق الشام” خوفاً من استصدار مذكرة توقيف دولية او لبنانية بحقّه، والخبر الثاني هو انشقاق رئيس الشرطة العسكرية السورية عن النظام البعثي – الاسدي واعلانه الانضمام للثوار، وهروبه الى بيروت أو عبرها الى مكان آخر عبر “طريق الشام”. هكذا من خلال هذين الخبرين تنكشف الاحداث لبنانياً؛ فلبنان لم يعد مصدر قوة لدمشق، بل الخطر الآتي من الغرب لا بد ان يمر عبر بيروت وطرابلس. وهو يأتي بصور وأحداث غير متوقعة. وللعلم ان الحرفة اللبنانية الاسهر عبر التاريخ هي التجارة، ومن لواحق التجارة هي الترانزيت، أي تحضير البضائع في مرفأ أو مستودع معيّن تمهيدا لإعادة تصديرها او نقلها الى مكان آخر. وهكذا الخطط والملاحق والذخائر… ولبنان الذي لم يعد مصدر قوة للشام هو واضح في خياراته؛ ساحة صراع بين طرفين، الاول آفل لا محالة، والثاني صاعد من دون ضوابط سياسية او أخلاقية في بلد تحكمه توازنات دينية وسياسية، هذه التوازنات هي “شيطانية” بامتياز. فمن كان ليتخيّل أن الوزير السوري سيضطر “للهرب” علناً خوفاً من توقيفه؟ ومن كان يتخيّل ان يستصدر القضاء العسكري – الذي يمكن القول أنه الابن غير الشرعي للنظام الامني السوري في لبنان – مذكرة توقيف وادّعاء على اللواء السوري علي المملوك؟؟

تتغيّر الاحداث وتنقلب التواريخ وتبقى “طريق الشام” ثابتة في وظيفتها الشيطانية العابرة للدول؛ لبنان الذي يعشق النظر نجو الافق الغربي لا يطم~ن لقوافل الشرق الصحراوية ، فبالنسبة إليه تشكل طريق الشام “الخطر الآتي من الشرق”. اما في سوريا التي ترتاح بمحيطها الصحراوي وعمقها الشرقي، لا ترحّب بالقوافل الآتية من الجبل اللبناني وما ورائه من عبر البحار، فبالنسبة  لهم تشكل “طريق الشام” “الخطر الآتي من الغرب”. هكذا كانت الوظيفة وهكذا ستبقى وما أحداث الايام الحاضرة الا تأكيد على الفكرة.

عود على بدء…. رباعي الجلجلة: بلفور، سايكس، بيكو ومكماهون

الحياة  صراع، وهي صراع بين الاقوياء على تقاسم النفوذ، صراع ينظّمه ويخطّط له هؤلاء، وينفذّه الضعفاء الذين يعيشون تداعياته وويلاته، ولا حول لهم في تغييره ولا قوة. واذا كان الوصف يرتكز على الافراد، فإنه من دون شك صالح للتطبيق على الدول

ففي الدول العربية بشكل عام، والمشرقية منها بشكل خاص، نجد ان “فعل” الانظمة القائمة فيها من ناحية التخطيط وتنظيم الصراعات مع الانظمة الاخرى المجاورة والبعيدة توقف، أو أصيب بشلل تام منذ مئات السنين، بشكل أخص منذ ضعف الدولة العباسية حتى مجيء الدولة العثمانية بدايات العام ١٥٠٠. وعلى الرغم من ان العرب نجحوا في التخلّص من الحكم العثماني العام ١٩١٨ مع نهاية الحرب العالمية الاولى، غير انهم لم يكونوا في مرتبة “الاقوياء” القادرين على تحديد مصائرهم، مع ان الحرب العالمية الاولى انتهت مع هبوب عناصر التغيير والاستقلال في مختلف النواحي المستعمرة. ومن أبرز عوامل “الشقاء العربي” اذا أمكنت تسميته كذلك، هي ثلاثية وعد بلفور – اتفاقية سايكس بيكو – مراسلات الحسين مكماهون

وعد بلفور

للمرة الوحيدة في التاريخ البشري الحديث (أقلّه) تقوم دولة باقتطاع كيان أو دولة أخرى وإعطائه لمجموعة لا تقطن المساحة المستقطعة، بل ولا تمت لها بأي صلة، وذلك بعملية ابتزاز وتواطؤ فاضح بين الدولة البريطانية والمتموّل اليهودي البارون “والتر روتشيلد”    ومن ورائه المنظمة الصهيونية العالمية. “وعد بلفور” انه الوعد الذي غيّر مسار الاحداث في منطقة المشرق العربي وما وراءه للأبد، والذي أتت من بعده اتفاقية سايكس – بيكو الشهيرة والتي نقضت كل ما كان قد تم الاتفاق عليه بين الشريف الحسين والسفير مكماهون في ٢ نوفمبر ١٩١٧ وفيه تأييد حكومة جلالة الملك البريطاني بشخص وزير الخارجية البريطاني السير آرثر بلفوربإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، والتالي نص الرسالة مترجم للعربية عن ويكيبيديا

نص الرسالة الاصلي بالانكليزية وصورة السير بلفور (via wikimedia.org)

وزارة الخارجية

في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

“إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”.

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جيمس بلفور

ومنذ العام ١٩١٧ وحتى اليوم، نعيش في العالم العربي تداعيات هذا الوعد، فمن المعروف انه في نهاية الحرب العالمية الاولى وهزيمة الاتراك على يد الحلفاء، ودخول هؤلاء فلسطين، سوريا، لبنان والعراق، كانت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية قد اتفقوا سراً على تقسيم المنطقة بشكل يلائم نفوذ الدول الثلاث، مع مراعاة بريطانيا لوعد بلفور واتاحة الوقت امام الصهيوني القادم من مختلف البلاد من تدبير أموره قبل الاعلان الرسمي للدولة الناشئة. ولا بد من ابراز التناقض في التصرفات والوعود في بريطانيا التي تقودها مصالحها، بين وعد بلفور ومراسلات الحسين – مكماهون التي بدأت بتاريخ سابق، والتي سنذكرها لاحقاً، حيث ان بريطانيا التزمت التزاماً قطعياً بالوعد الاول، بينما لم تعر المراسلات الثانية أية أهمية، ولم تتعدّ أهميّتها تأليب العرب ضد الاتراك

فبعد نشوء دولة اسرائيل، قامت في المنطقة  ١٠ حروب كانت إسرائيل طرفاً فيها جميعاً

عدوان  ١٩٥٦ اسرائيل فرنسا وبريطانيا ضد مصر

حرب  ١٩٦٧ اسرائيل ضد العرب مجتمعين

حرب ١٩٧٣ سوريا ومصر ضد اسرائيل مع هجوم مضاد بعد أيّام من قبل هذه الاخيرة

اجتياح لبنان الاول ١٩٧٨

اجتياح بيروت ١٩٨٢

الانتفاضة الفلسطينية ١٩٨٧ أول حركة احتجاجية داخل الاراضي المحتلة

حرب تموز ١٩٩٢ اسرائيل ضد لبنان

حرب نيسان ١٩٩٦ اسرائيل ضد لبنان

حرب تموز ٢٠٠٦ اسرائيل ضد لبنان

 عدوان غزة ٢٠٠٨ اسرائيل ضد غزة

عدوان غزة ٢٠١٢

ومناسبة الحديث عن وعد بلفور هو الواقع الحالي لمنطقة المشرق العربي. ففي الصورة هناك سوريا، لبنان والعراق. وكل هذه الدول لديها مشاكل داخلية، طائفية ومذهبية. انتج وعد بلفور دولة اسرائيل اليهودية القومية، في محيط فيه ما لا يقل عن ثلاثة أجيان واكثر من ٢٠ طائفة وعرق مختلفين، أي انه محيط أقليات اوجدت لنفسها عبر السنين والقرون طريقة للتعايش والتفاعل السلمي. فإذا بالوجود “القومي” اليهودي يأتي مع سياسة الاقلّيات-القوميات، من الاقلية المارونية، التي لم تقو على حكم لبنان من دون قاعدة التعايش والتفاعل السالفة الذكر، الى الاقلية العلوية في سوريا التي حكمت وتحكم سوريا منذ العام ١٩٦٣ والتي تمارس أبشع عمليات القتل الجماعي لكي تستمر في حكمها وقمعها للاكثرية السنية وللفئات المطالبة بالحرية مهما كان انتماءها. بالاضافة الى الاقلية الدرزية التي حاولت اسرائيل تفعيلها من خلال تنمية هذه القومية وعرض الحكم الذاتي في منطقة جبل الدروز أو منطقة الشوف حتى وادي التيم في البقاع اللبناني، من دون اي نجاح يذكر، بل ويسجّل للثورة الدرزية العام ١٩٢٦ في سوريا التي أصبحت الثورة السورية الكبرى انّها أحبطت سياسة تقسيم سوريا الى أربعة دول طائفية كما سيأتي ذكره…

اتفاقية سايكس بيكو

والحديث عن وعد بلفور ينقلنا حكماً الى تناول اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا – وروسيا القيصرية، التي انسحبت بعد نجاح الثورة البولشفية العام ١٩١٧، والتي تم توقيعها بين كل من “فرنسوا-جورج بيكو” ممثل فرنسا والمندوب السامي لمتابعة أمور الشرق الادنى، و”مارك سايكس” المندوب البريطاتي السامي لشؤون الشرق الادنى، وموضوعها تقاسم الولايات العثمانية المشرقية بعد التخلّص من الامبراطورية العثمانية. وبعد مفاوضات بين الطرفين بالاضافة الى روسيا القيصرية تم التوصل الى الاتفاق الشهير الذي بموجبه تحصل فرنسا على سوريا والولايات الغربية للمتوسط (لبنان) أما بريطانيا فإنها تسيطر على العراق (جنوب ووسط) بالاضافة الى مينائي عكا وحيفا في فلسطين، ويقوم اتحاد دول عربية في المنطقة بين القسمين الفرنسي والبريطاني بعد الاتفاق مع الشريف حسين. وتقوم روسيا بالسيطرة على الولايات الارمنية في تركيا وشمال كردستان، وتخضع فلسطين لادارة دولية. ونص المعاهدة كما يلي

المادة الأولى: إن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا دولة عربية برئاسة رئيس عربي في المنطقتين “آ” (داخلية سوريا) و”ب” (داخلية العراق) المبينة في الخريطة الملحقة بهذا الاتفاق. يكون لفرنسا في منطقة (آ) ولإنكلترا في منطقة (ب) حق الأولوية في المشروعات والقروض المحلية، وتنفرد فرنسا في منطقة (آ) وإنكلترا في منطقة (ب) بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب بناء على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية

 

المادة الثانية: يباح لفرنسا في المنطقة الزرقاء (سوريا الساحلية) ولإنكلترا في المنطقة الحمراء (منطقة البصرة) إنشاء ما ترغبان به من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو من المراقبة، بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية

 

المادة الثالثة: تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين)، يعين شكلها بعد استشارة روسيا وبالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة

 

المادة الرابعة: تنال إنكلترا ما يلي

١- ميناءي حيفا وعكا

٢- يضمن مقدار محدود من مياه دجلة والفرات في المنطقة (آ) للمنطقة (ب)، وتتعهد حكومة جلالة الملك من جهتها بألا تتخلى في أي مفاوضات ما مع دولة أخرى للتنازل عن جزيرة قبرص إلا بعد موافقة الحكومة الفرنسية مقدماً

 

المادة الخامسة: تكون اسكندرونة ميناء حراً لتجارة الإمبراطورية البريطانية، ولا تنشأ معاملات مختلفة في رسوم الميناء، ولا تفرض تسهيلات خاصة للملاحة والبضائع البريطانية. وتباح حرية النقل للبضائع الإنكليزية عن طريق اسكندرونة وسكة الحديد في المنطقة الزرقاء، سواء كانت واردة إلى المنطقة الحمراء أو إلى المنطقتين (آ) و(ب) أو صادرة منهما. ولا تنشأ معاملات مختلفة مباشرة أو غير مباشرة على أي من سكك الحديد أو في أي ميناء من موانئ المناطق المذكورة تمس البضائع والبواخر البريطانية

تكون حيفا ميناء حراً لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها، ولا يقع اختلاف في المعاملات ولا يرفض إعطاء تسهيلات للملاحة والبضائع الفرنسية، ويكون نقل البضائع حراً بطريق حيفا وعلى سكة الحديد الإنكليزية في المنطقة السمراء (فلسطين)، سواء كانت البضائع صادرة من المنطقة الزرقاء أو الحمراء، أو من المنطقتين (آ) و(ب) أو واردة إليها. ولا يجري أدنى اختلاف في المعاملة بطريق مباشر أو غير مباشر يمس البضائع أو البواخر الفرنسية في أي سكة من سكك الحديد ولا في ميناء من الموانئ المذكورة

 

المادة السادسة: لا تمد سكة حديد بغداد في المنطقة (آ) إلى ما بعد الموصل جنوباً، ولا إلى المنطقة (ب) إلى ما بعد سامراء شمالاً، إلى أن يتم إنشاء خط حديدي يصل بغداد بحلب ماراً بوادي الفرات، ويكون ذلك بمساعدة الحكومتين

 

المادة السابعة: يحق لبريطانيا العظمى أن تنشئ وتدير وتكون المالكة الوحيد لخط حديدي يصل حيفا بالمنطقة (ب)، ويكون لها ما عدا ذلك حق دائم بنقل الجنود في أي وقت كان على طول هذا الخط. ويجب أن يكون معلوماً لدى الحكومتين أن هذا الخط يجب أن يسهل اتصال حيفا ببغداد، وأنه إذا حالت دون إنشاء خط الاتصال في المنطقة السمراء مصاعب فنية أو نفقات وافرة لإدارته تجعل إنشاءه متعذراً، فإن الحكومة الفرنسية تسمح بمروره في طريق بربورة- أم قيس- ملقا- إيدار- غسطا- مغاير إلى أن يصل إلى المنطقة (ب)

 

المادة الثامنة: تبقى تعريفة الجمارك التركية نافذة عشرين سنة في جميع جهات المنطقتين الزرقاء والحمراء في المنطقتين (آ) و(ب)، فلا تضاف أية علاوة على الرسوم، ولا تبدل قاعدة التثمين في الرسوم بقاعدة أخذ العين، إلا أن يكون باتفاق بين الحكومتين. ولا تنشأ جمارك داخلية بين أي منطقة وأخرى في المناطق المذكورة أعلاه، وما يفرض من رسوم جمركية على البضائع المرسلة يدفع في الميناء ويعطى لإدارة المنطقة المرسلة إليها البضائع

 

المادة التاسعة: من المتفق عليه أن الحكومة الفرنسية لا تجري مفاوضة في أي وقت للتنازل عن حقوقها، ولا تعطي ما لها من الحقوق في المنطقة الزرقاء لدولة أخرى سوى للدولة أو لحلف الدول العربية، بدون أن توافق على ذلك مقدماً حكومة جلالة الملك التي تتعهد بمثل ذلك للحكومة الفرنسية في المنطقة الحمراء

 

المادة العاشرة: تتفق الحكومتان الإنكليزية والفرنسية، بصفتهما حاميتين للدولة العربية، على أن لا تمتلكا ولا تسمحا لدولة ثالثة أن تمتلك أقطاراً في شبه جزيرة العرب، أو تنشئ قاعدة بحرية على ساحل البحر المتوسط الشرقي، على أن هذا لا يمنع تصحيحاً في حدود عدن قد يصبح ضرورياً بسبب عداء الترك الأخير

 

المادة الحادية عشرة: تستمر المفاوضات مع العرب باسم الحكومتين بالطرق السابقة نفسها لتعيين حدود الدولة أو حلف الدول العربية

 

المادة الثانية عشرة: من المتفق عليه ما عدا ذكره أن تنظر الحكومتان في الوسائل اللازمة لمراقبة جلب السلاح إلى البلاد العربية

خريطة تظهر فيها تقسيم منطقة المشرق العربي بين فونسا وبريطانيا (via wikimedia.org)

وبإعادة النظر في نص الاتفاقية نستنتج التكامل بينها وبين وعد بلفور من خلال تأمين الحماية الدولية على أرض فلسطين تمهيداً لتنظيم الامور وتأسيس “الوطن القومي لليهود” على الارض الفلسطينية. وهو ما حصل لاحقاً مع انقلاب الحماية الدولية الى انتداب بريطاني مباشر على فلسطين انتهاءاً بإعلان دولة إسرائيل على جزء من فلسطين مع انسحاب البريطانيين بعد الحرب العالمية الثانية، وتأسيس دولة إسرائيل العام ١٩٤٧، ومن ثم توسيع الدولة المغتصِبة الى كامل التراب الفلسطيني بعد حرب ١٩٦٧. ولقد تم إعطاء الاتفاقية المذكورة الشرعية والغطاء الدوليين بعد الحرب العالمية الاولى من خلال اتفاقيتي سيفر العام ١٩٢٠ ولوزان العام ١٩٢٣ من خلال ما عرف بالانتدابين الفرنسي والبريطاني على المشرق العربي بحسب نص الاتفاقية المذكورة

أعلنت فرنسا في مناطق نفوذها الكيان اللبناني دولة مستقلة، والذي ضم بالاضافة الى جبل لبنان ذي الاستقلال الذاتي منذ أكثر من ثلاثماية عام، ولايات بيروت وطرابلس والبقاع اللبناني التابع آنذاك لولاية دمشق و الجنوب حتى الناقورة التابع آنذاك لولاية عكا. وتم تقسيم سوريا الى أربع دول (طائفية): دولة العلويين على الساحل السوري، دولة جبل الدروز في الجنوب السوري، دولة دمشق في الوسط، ودولة حلب بالاضافة الى سلخ لواء الاسكندرونة وضمّه لتركيا بعد العام ١٩٢٣. ولكن سياسة الفرنسيين اصطدمت بما عرف بالثورة السورية الكبرى التي اندلعت العام ١٩٢٣ وقادها سلطان باشا الاطرش  بوجه “الاحتلال” الفرنسي، وبنهايته تم احباط التقسيم الآنف الذكر وإعلان المعاهدة السورية الفرنسية العام ١٩٣٦ وتوحيد الدولة السورية والاعتراف بها دولة موحّدة

اما بريطانيا فإنها أعلنت الوصاية المباشرة على المناطق العراقية المحتلّة نم خلال تعيين مفوض سامي عليها (السير ارنولد ويلسن) غير ان العراقيين رفضوا الوصاية وحاربوها واندلعت المطالبات للاستقلال وتأسيس دولة حديثة تكون نواة الدولة العربية الكبرى حسب مراسلات الحسين-مكماهون، واستطاع العراقيون فرض إعلان المملكة العراقية بقيادة الملك فيصل الاول. وفي فلسطين تم إعلان الوصاية البريطانية المباشرة عليها تطبيقا لوعد بلفور، مع إعطاء شرق الاردن الحكم الذاتي. ويذكر التاريخ هنا المقولة الشهيرة للجنرال الانكليزي اللنبي يوم دخول القدس حين قال:”ها قد أتيناك يا صلاح الدين” في إشارة الى هزيمة الصليبيين على يد الاخير قبل ألف عام، بالاضافة الى مظاهر البهجة العارمة في  اوروبا من استعادة المسيحيين للأراضي المقدّسة في فلسطين. لاحقاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تم جلاء القوات الفرنسية عن لبنان وسوريا، والانتداب البريطاني عن العراق، كما تم إعلان إسرائيل دولة مستقلة العام ١٩٤٨ بعد صدور قرار تقسيم فلسطين العام ١٩٤٧ عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة

مراسلات الحسين مكماهون

ولتوضيح الصورة الكاملة للخطط الغربية على منطقة المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية، نتناول أيضاً مراسلات الحسين مكماهون؛ فهذه المراسلات بين الشريف الحسين بن علي، شريف مكة آنذاك قبل سيطرة آل سعود على أرجاء الجزيرة العربية، والسير هنري مكماهون، الممثل الاعلى للملك البريطاني في مصر، بين العامين ١٩١٥ و ١٩١٦، حيث كانت الحكومة البريطانية تحث العرب على الثورة ضد الاتراك. وللإطّلاع على النص الكامل  للمراسلات المتبادلة بين الرجلين على هذا الرابط

من هذه المراسلات الخمسة يمكن استنتاج التالي

أولاً: المراهقة السياسية التي تظهر من أسلوب ومضمون مراسلات الشريف الحسين والتي لا تراعي أنّه يراسل أكثر المؤسسات السياسية دهاء على مر التاريخ، وهي الدبلوماسية الخارجية البريطانية. اذ انّه يطلب وعد الانكليز بالحدود العربية قبل انتهاء الحرب مع الاتراك، مرفقاً طلبه بمساعدات غذائية وغيرها، فارضاً شروطاً ومستخدماً أسلوب أقل ما يمكن القول عنه أنّه قبلي بامتياز، لا مراوغة ولا دجل. ويبدو ان المراهقة االسياسية استمرّت في الخليج العربي – كما في المشرق وسائر بلدان العرب – حتى بعد مرور قرابة مئة عام على المراسلات

ثانياً: في المقابل فإن السير مكماهون الذي استلم رسالة الشريف الحسين لا تنقصه الحنكة ولا الخبرة من خلال استثارة مشاعر العظمة والتبجيل لدى الاخير ووصفه – من غير تعدٍّ – بالسيد المبجّل وسليل النسب الرسولي وغيرها من صفات الرجولة والشرف. كما انّه قد ردّ على طلبات الشريف الحسين المباشرة بمراوغة بريطانية معروفة ومتميّزة

ثالثاً: عدم وجود مشروع سياسي او حكم واضح لدى الشريف الحسين يتخطّى تأسيس “الدولة العربية الكبرى”، على الرغم مما أثاره ان الشعوب العربية راغبة ومتأمّلة بالحرية، غير أنّ لا يظهر في أي مكان من مراسلاته أنّه قد حضّر أو بصدد تحضير برنامج حكم، وهذا ما يبدو أنّه أراح الانكليز أكثر  والسير مكماهون الذي أخذ منه التزامات دون ان يعطيه غير التزامات عامة مع عدم المس بمصالح الحليفة فرنسا وبالاخص عدم بت أي أمر يتعلّق بالقدس وفلسطين

رابعاً:  من الواضح وجود قرار سياسي لدى البريطانيين بعدم التفريط بالاراضي العثمانية بعد تحريرها من الاتراك، بالتعاون مف الفرنسيين، وذلك يبدو جليّاً من خلال حرص مكماهون على استرضاء الشريف الحسين من خلال قبوله بمطالب الاخير – على مضض ومن دون تحديد واضح – كما من خلال الاموال والمساعدات العينية. فالهدف عندهم هو زج العرب في الثورة ضد الاتراك لكي يخف العبء عن الحلفاء في تلك المنطقة دون أي مضاعفات أو التزامات على الصعيد السياسي للمنطقة بعد الحرب

خامساً: اذا كان احتراف البريطانيين للابتزاز السياسي مشهوراً من خلال شراء الذمم والولائات، فإنّ احتراف حكام العرب منذ تلك الفترة وما قبلها وحتى اليوم مشهوراً في طلب المال مقابل الولاء أو تأمين مصالح أو إعطاء مكاسب اقتصادية أو سياسية معيّنة، في الخليج العربي (شبه الجزيرة العربية) كما في المشرق العربي وفي مصر والمغرب العربي. القصة نفسها تتكرّر من خلال الابتزاز المتبادل للولاءا توالمصالح على حساب الشعب

من الواضح ان المراسلات المذكورة لم يكن لها أي قيمة قانونية ولا معنوية، فهي في المنظار التاريخي للاحداث عملية ابتزاز سياسي قام به الشريف الحسين لانتزاع الشرعية الدولية للدولة العربية الكبرى، قابله احتراف سياسي ودبلوماسي بالتعامل البريطاني من خلال تمييع الاجابات وعموميّتها، زد عليها الاغداقات المالية والعينية لدفع الشريف الحسين الى الاسراع واعلان الثورة العربية على الحكم التركي في الاراضي العثمانية. واذا أظهرت شيء فإنها قد أبرزت اللا وعي العربي لدى معظم حكام تلك المنطقة، باستثناء من هو يقاوم في لبنان وسوريا من الاحرار، او المنفي الى مصر أو أوروبا

تشكّل المراجعة لتلك الاحداث – الوثائق الثلاث السالفة الذكر نقطة الانطلاق الاساس في التحليل السياسي الحالي للمنطقة العربية، المشرق العربي بالاخص. وبنتائجها على الدول فيها، سوريا على الاخص حيث قامت فيه الثورات الداخلية والانقلابات خاصة في خمسينات القرن الماضي، حتى قيام نظام حزب البعث العام ١٩٦٣ ولغاية اليوم، بعد الحركة التصحيحية العام ١٩٧٠ التي أتى من خلالها حافظ الاسد الى الحكم، والتي تعاني اليوم بشكل حاد وعميق من تلك التراكمات الحادة على كافة الاصعدة السياسية والاجتماعية-المجتمعية، والاقتصادية والثقافية، ففي آذار مارس العام ٢٠١١ قامت المعارضة السورية السلمية بوجه النظام الدكتاتوري، كامتداد للنهضة العربية الحديثة (وليست ربيع عربي)، وسرعان ما تحوّلت مع قسوة رد فعل النظام الى ثورة مسلّحة، فنزاع اجتماعي ريف ضد مدينة، حتى أصبح الامر صراع مذهبي، السنة ضد كل مكوّنات المجتمع السوري بالاخص العلويين، أو هكذا يحلو للنظام تصويره ليستمد من عنف الدولة الهمجي كل المشروعية. فالسؤال والحديث اليوم، ماذا لو أعادت القوى الكبرى الحديث عن اتفاقية سايكس-بيكو جديدة على طراز القرن الواحد والعشرين؟؟ لنقل اتفاقية اوباما-بوتين التي يتم فيها تقسيم سوريا الى دولتين أو حتى الى أربعة دويلات، تماما كما قرّر الطبّاخان البريطاني الفرنسي ذلك منذ مئة عام؟؟ لا شيء مستبعد، فما أثيره ليس سراً ولكن الآلية قد تختلف، فبدل التقسيم الفعلي، ربما يكون هنال تعديل دستوري تقوم بموجبه الدولة السورية الفدرالية، تماماً كالعراق الحديث

أما في فلسطين فإن العدوان الاسرائيلي لا يكاد يقف حتى تجد المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بصدد التحضير لبنك أهداف جديد، كذلك حماس والمقاومة الفلسطينية. ففلسطين الضحية الاولى للوثائق الثلاثة، وسوف تبقى كذلك ما بقي “العرب” – بمن فيهم أنظمة الحكم “الربيعية” “المسلمة” التي حكمت بعد العام ٢٠١١ والتي أثبتت قصر نظرها على صعيد تغيير السياسة العربية العامة تجاه فلسطين – طالما بقوا بعقلية الشريف الحسين؛ الاستنجاد بالاجنبي، التملّق له، وطلب الامن والامان

سحر وشعوذة وتنبؤات الحايك

يُحكى انه في عصر مضى، عصر لم يعد موجوداً سوى على صفحات كتب التاريخ، عصر تقرأ تفاصيله فينعش فيك مخيّلات لا سماء لها ولا مساكن. انّها عصور قديمة كان فيها رجال الدين هم الحكام، وكان الحكام هم المتواطئين، وكان الشعب هو المحكوم ،المسيّر

في تلك العصور القديمة عرف الناس “رجل الدين”. وفي أسماء اليوم رجل الدين على الصيغة القديمة هو  “الساحر” أو “المشعوذ” او “العرّاف” او “العالم بالغيب” أو “المتّصل بالارواح”. وتعكس هيبة وسيطرة هذه المجموعة على وعي ولا وعي الناس والشعوب القديمة، الصلة القوية بين الخوف من المستقبل كقوة أو غموض لا يمكن ان نتوقّعه، وبين واقع الناس المنحصر ببؤس تحصيل القوت والامان … لذلك كان لهؤلاء “العلماء بالغيب” سيطرة وسلطة أكبر وأقوى من أن تقاومها العامة ولا حتى الحكّام، وكانوا بمرتبة آلهة أو أنصاف آلهة. ومع تقدّم الازمان وتبدّلها، وحلول الوعي الفكري والمنطق العلمي مكان “الغيب” و”السحر” ، أصبح “علماء الغيب” “مشعوذون” وبدل ان توقد النار تحية لمن استطاع استشراف المستقبل ، أوقدت النيران فيهم، وبدل ان تُقدّم الذبائح تكريماً لهم، قُدّموا ذبائح على هيكل الاله الجديد “الواحد” الذي لا أحد غيره يعرف الغيب ويعلم الخاتمة. كم جميل ان تفتح كتابا يحوي قصص الميثولوجيا الدينية القديمة لكي تطالع صراع الآلهة اليونانية، أو لكي تتعرّف على كتب الفراعنة والفينيقيين و الفرس. كم جميلا أن تفتح كتاباً يستثير مخيّلتك الى حدود  لا محدودة

ميشال حايك (via sawtbeirut.com)

بالامس أطلّ “عالم لبنان الغيبي” ميشال حايك على شاشة التلفزيون “أم.تي.في” وهلّلت له المقدمة الجميلة – والجميلة فقط في سكوتها – واستمع له جمهور الاستديو كما جماهير المشاهدين بإنصات المؤمن في هيكل الاله لعظته الاخيرة، كأنّ نبيّ جبران قد حضر من عزلته في الجبل. وعلى الرغم من أن كتاب الطقوس اللبناني نص على ان إطلالة “العالم بالغيب” أو “وكيل الاله والناطق الرسمي له” تكون حصراً وحكماً ليلة رأس السنة. ففي الاعراف اللبنانية في تلك الليلة نكون على موعد البكاء والحزن مع قصص غريبة تجمع المتخاصمين، أو تعيد المفترقين، وتغدق عليهم الملايين، أعني بها سينما ال”أل.بي.سي” المصوّرة . ثم يأتي دور “علماء الغيب” أو بصورة علمية “علماء الفلك” الذين يعرفون فك رموز الغيب كما يفك العالم روبرت لانغدون شيفرات  ليوناردو دافينتشي في رواية دان براون الشهيرة. وأشهر هؤلاء على الاطلاق رغم حداثة إطلالته على الشاشة هو ميشال حايك، الرجل الذي أطلق خمسين تنبّؤ ، كلّها بالشأن العام، تشاء الصدف أن يصيب هدفاً جدّياً، لا أذكره لأنّني من أصحاب الواقع المادي الضيّق، فيصبح الرجل حديث الميديا والبيوت

فإذا كان هؤلاء “العلماء” هم بالواقع والعلم مرضى ومصابين بعاهات لا تقوى الكلمات ولا تستطيع أ ن تشخّصها، فإن المرض الاكبر والاخطر هو ذاك الذي أصاب المجتمع اللبناني من خلال تنصيب هؤلاء عرّافين فوق العادة – مثل فيروز سفيرة فوق العادة  الى النجوم -  وإضافتهم الى مجموعة الهياكل والآلهة الذين يتعبّدون. وللتذكير فإن تلك المرحلة اشتهرت بالاغتيال السياسي، وكان بعد كل انفجار السؤال الواحد هو: من التالي ومتى؟ لذلك كان هؤلاء “المتنوّرين” يحاولون الرد على هذا التساؤل من خلال إطلاق الأسماء، مواربة أو مباشرة، وما على الرسول الّا البلاغ، وناقل الكفر ليس بكافر. فعدم الاستقرار السياسي والامني اللبناني، يضاف اليه انعدام سلطة الدولة التي لها الحق بالتوقيف والعقاب معاقبة المرتكبين – المباشرين على الاقل – والتي حلّ محلّها زعماء الميليشيات المحلّية، من الشارع الى القرية والمنطقة، والوطنية المزيّنة بأكاليل النصر على أعداء الداخل أو الخارج – أولئك الذين لهم القدرة على التمدّد على أرض الوطن الكبير – يضاف اليه ما يعرفه القاصي والداني عن التدخلات الخارجية في الشؤون اللبنانية الخاصة والعامة، كل تلك العوامل أفقدت اللبناني العادي أي ثقة بالمستقبل وأي قدرة على توقّع أي فجوة أمل أقلّه في المستقبل القريب. وكان الدواء في اللجوء الى من “قال كلمته ومشى” الى العالم الكبير ميشال حايك الذي يتلو ما في رأسه من صور دون أي نقاش أو إضافة، فالباري أو الاله أو المخيّلة أو الخالق يعطي من دون نقاش، وهو بالتالي يعامل الناس بنفس القسوة التي يتلقّاها. والمضحك المبكي أن الناس الذين يقرأون في الانجيل والقرآن والحكمة والكابالا، وضعوا نسخ من توقّعات الحايك الى جانب تلك الكتب لكي يعاينوا تفوّق ذلك النبي على ما ذُكر في نواميسهم من قصص مضى الدهر عليها وشرب.  وسنة بعد أخرى، أصبح هؤلاء ضيوفاً فوق العادة و بطاركة التلفزيون.  وما حصل الامس – وقيل لي أن تلفزيون الجديد استقبل أحدهم ممّن يتّخذون لهم زوجة من الجن – أن صاحب الجلالة أطلّ من دون سابق إنذار وأطلق سلسلة من التنبؤات من دون نقاش أكيد…  والطريف أن مقدمتنا الجميلة من دون كلام كانت تقول -خيّ، انشالله – بمناسبة الحديث عن توقعات “سعيدة” على قلّتها ويا ليتها قلّلت كلام وأكثرت من المكياج لكي تبدو أبهى

الاعلامية منى ابو حمزة – جميلتنا عندما تسكت

هو تحالف “شرّير” بين المال والاعلام والجمال والغيب، يعطّل قدرة الانسان على التفكير المنطقي، ويعطّل رسالة الاعلام على ترويج ثقافة التفكير بدل ثقافة الشعوذة. من صميم التكنولوجيا والقرن الواحد والعشرين، وفرادة اللبناني المنتشر في أصقاع الارض ليساعد شعوبها على التمدّن – على الطريقة اللبنانية الشوفينية – يأتي رجل ومن خلفه صناعة لتنقل الباقي من لبنانيين على أرضه، الى ما خلف التاريخ، الى ما قبل الكتابة والتفكير، الى زمن عبادة الاوثان التي ما توقّفت يوماً، الى زمن أدونيس والخنزير…. وتصبحون على وطن

غزة تراقص العالم على حافة الهاوية…. وسوريا الى النسيان المؤقّت

 

منذ ستة أيام بدأ العدوان الاسرائيلي الجديد على قطاع غزة بهدف تأديب المقاومة المسيطرة على القطاع وأنفاقه. ومنذ ستة أيام والاسرائيلي يمعّن في الاهداف بحثاً عن نصر ولو ضعيف ليبرّر أي وقف لإطلاق النار. ومنذ ستة أيام والوقائع تتكشّف واحدة تلو الاخرى

لا شك ان اسرائيل لديها أفضلية استخبارية على المقاومة في غزة مع الضربة الاولى للعدوان التي كانت باغتيال قائد كتائب القسّام الحماسي الاول أحمد الجعبري وبعض مراكز إطلاق الصواريخ أو تخزينها. وللوهلة الاولى بدت اسرائيل متّجهة نحو نصر سريع تحقق بهدف تكتيكي من الطراز الموجع

لكن ما جرى بعدها غيّر مجرى العملية العسكرية “عامود السماء” كلّياً هذا إذا لم نقل وجه المنطقة بأكملها؛ صواريخ تسقط في منطقة تل أبيب الكبرى مجبرة الناس على النوم في ملاجئهم مرتعبين، حتى رئيس الوزراء المتباهي بالنصر الآتي، نتانياهو، ركض نحو الملجأ. ثم يأتي دور القدس الغربية (الاسرائيلية) التي أخذت قسطها من الصواريخ. ذهول إسرائيلي ودولي، فالافضلية التي تحقّقت مع اغتيال الجعبري تمّ ردمها بفتات الصواريخ التي أصبح معها قلب اسرائيل الاقتصادي والسكاني تحت رحمة المقاومة، أو من يمتلك هذه الاسلحة

وفي لحظة تجمّعت الاصوات الدولية “والعربية” مطالبة بوقف إطلاق النار، وبدأ الحراك الدبلوماسي على أرض مصر بالاخص يتحرّك لبلورة خطة معيّنة تحفظ ماء التفوّق الاسرائيلي الذي كان يوماً متفوّقاً… بالحديث عن العرب لا بد من ذكر ما بدر منهم:

مصر وتونس، نظامي الثورة، قاما بزيارة غزة واستعراض التعاطف والدعم…. الاعلامي…. وغادرا. مصر التي تحمل من الاوراق ما يجعل اسرائيل ترتعد لم تحرّك أية اوراق بحوزتها؛ فهل خطوط التحرّك هذه جزء من حزمة التطمينات “الاخونجية” التي أرسلت قبل استلام مرسي الرئاسة المصرية لإسرائيل والمجتمع الدولي – الولايات المتحدة –  بأن لا تغيير في مضمون الدعم الاخونجي لإسرائيل عمّا كان معمولاً به مع النظام السابق؟ مع العلم ان الاعلام قد يشهد قنابل صوتية ولكنها موجّهة لشارع “ميدان التحرير” لا غير. وغير مصر وتونس هناك الخليج العربي الذي لا تخرج دوله عن الاستنكار المبدئي للعنف وتحميل اسرائيل المسؤولية كاملة وشاملة. ونقطة عالسطر. بيان يضاف الى البيانات العديدة الصادرة في هذا الاطار ومنذ بداية مسار العنف محور لبنان، العراق، الجزائر وموريتانيا، الذي يطالب بتوفير مقوّمات الدعم المادي والسياسي اللازم لحماس والمقاومة الفاسطينية كي لا تنهزم امام الضغط الدولي – وليس العمليات العسكرية – وهذا أقل الايمان… غير ان الجميع تواطأ على فلسطين مع تسليم الامر للجامعة العربية المقعدة والاضعف من أن تبادر، على ان تدخل تركيا، ايران والغرب على الخط لترتيب الامور “والمصالح” على حساب العرب أكيد

هذا بالنسبة الى غزة المحروقة، أما سوريا فإن للنظام الوقت الكافي لترتيب المزيد من المقابر الجماعية لدفن – اذا أراد – المئات من الأشخاص العزّل الذين تم توقيفهم “بالجرم المشهود”؛ وللإضاءة على معنى الجرم المشهود، فهو كل حركة، تصرّف، اعتراض أم عدم اعتراض، أو كلمة أو إشارة  معارضة للنظام الاسدي السوري الممانع تصدر عن شخص أتمّ (أو اتمّت) الاشهر الثلاثة الاولى وما فوق من “نعمة الحياة”. هنا يمكن للنظام أو حلفائه أو أعوانه، أو أجهزته، او “شبّيحته”، سواء كانوا سوريين أم غير سوريين ( اعني حلفاء النظام) أن يقوموا – ولمرة واحدة فقط – أن يعدموا المتهم بتذييل عبارة “إرهابي” أو “إسلامي متطرّف” على الاذن بالقتل ولو كان شفهي. غير ان الوضع المأساوي في سوريا مستمر، واختلافه عن غزة ان العدو في سوريا يتكلّم لغة الضاد ويتقنها – مع بعض الاستثناءات في صفوف النظام (ايرانيين) او المعارضة (أفغان…) – بل هو مسلم أو مسيحي، وهو سوري، وهو مواطن… فالقاتل والقتيل تساويا بالقتل، فهل يحكم أحدهما على الآخر؟؟ صراحة، غير ممكن لأي جهة  أن تمسك زمام الامور وتستعيد المبادرة من دون تدخّل دولي، بمعنى من دون تسوية دولية من خلال النظام والمعارضة المسلّحة

بالعودة الى مسار الاحداث في غزة، أذكر حين كنت أطالع التاريخ العربي الحديث وبالتحديد معارك العرب مع إسرائيل، كنت انظر في الخريطة وأتساءل ماذا لو انّه في العام 1956 دخلت سوريا ولبنان والاردن الحرب على إسرائيل لتخفيف الضغط عن مصر، وفي العام 1967 ماذا لو فُتحت الحدود في لبنان والاردن، وفي العام 1973 كذلك. لن أتحدّث عن العام 1982 والاجتياح الاسرائيلي على لبنان، لأنّه حينذاك اكتشفنا أن لبنان “الحلقة الاضعف” بين “دول المواجهة” (تعبيرات عربية خشبية) الذي دافع ودفع عن فلسطين ما لا تقو البترودولارات أن تعادلها؛ بالعزيمة والارادة والثمن الغالي انسحبت اسرائيل من دون شروط – وذلك للمرة الاولى في الصراع العربي الاسرائيلي – وتحوّلت البوصلة. لماذا كانت الحروب العربية الاسرائيلية “الرسمية” تنتهي في غضون أيام ويفرض العدو شروطه؟ بينما لبنان انتصر (هناك من سيبتسم هنا) من دون شروط؟؟

فهل سوف يأتي يوم ينظر فيه أحفادنا على الخريطة ويقولون: “ماذا لو فتحت الجبهات العربية العام 2012؟ اما كنّا انتهينا من “السرطان” و”الكيان الغاصب” و “المعتدي”؟؟؟ أسماء عدائية تقابلها تصرّفات أخوية أو مسالمة على أقل تعبير

الحقيقة لدى ميشال سورا. مراجعة لكتاب: سوريا، الدولة المتوحّشة 2

عن الاستبداد السوري اليوم

تتفاوت كل يوم درجة الاهتمام والمتابعة العامة بالموضوع السوري، اذ تزداد سخونته أو تخبو حسب الاجواء الدولية العامة، التي جعلت من سوريا موضوع بحث وجدال على موائد الامم من القاهرة الى أنقرة وطهران وما خلفهما الى موسكو، باريس وأميركا بعدما كان النظام صاحب أوراق يستطيع من خلالها التواجد على الطاولات المذكورة

ومتابعةً في الموضوع السوري،  نتابع القراءة في كتاب المفكر الفرنسي ميشال سورا مع الاشارة مجدداً الى ان الكتاب المذكور هو عبارة عن مقالات كتبها ميشال سورا في الصحافة الباريسية في ثمانينيات القرن الماضي خلال الازمة السورية حينها

ينطلق الكاتب  في تحليل المجتمع السوري وتناقضاته التي تلاعب عليها وبها النظام الحاكم من أجل إحكام سيطرته على الدولة وقمع التظاهرات والانتفاضات السورية (سواء في الثمانينات أو الانتفاضة الحاضرة). هذه التناقضات والاختلافات الاجتماعية يمكن تلخيصها بما يلي

١- الطائفية: يتميّز المجتمع السوري بتعدّد المذاهب والطوائف؛ نسبة الطائفة العلوية تبلغ ١٠ ٪ من مجموع الشعب السوري، بينما يبلغ نصيب السنة أكثر من ٧٠٪ . حسب ميشال سورا ينطلق النظام من مذهب حكّامه العلويين واعتبار هذه الطائفة جزءً من الدولة، أو بطريقة أصحّ، اعتبار الدولة جزء من هذه الطائفة. مثال على ذلك تأسيس جمعية “علي المرتضى” العلوية التي يديرها جميل الاسد، أحد أشقاء الرئيس السوري، بهدف ظاهري وهو العمل الخيري، غير ان لها هدف باطني وهو شد عصب الطائفة العلوية ولصقها بالنظام لتصبح الهوية الديني-سياسية للطائفة مرتبطة ارتباطاً كلّياً به. وانطلاقاً ممّا سبق، يقوم النظام بإثارة الغرائز العصبية والمذهبية لدى الطائفة العلوية؛ وكرد فعل طبيعي لدى المذاهب والطوائف الاخرى، تنتج عن تصرّفات النظام إثارة الغرائز في المكوّنات الاخرى للمجتمع السوري، وبالتالي تستحيل الدولة “مجموعة طوائف” تخاف بعضها البعض ويسهل للنظام الحاكم السيطرة عليها. إثباتاً لما يقوله يتناول الكاتب في مكان آخر تعريف المنظّر السياسي الالماني حنّا أرندت (Hannah Arendt) للإرهاب بوصفه انّه المكوّن الاساسي للسيطرة التوتاليتارية  ف” من خلال ضرب الناس ببعضهم والتفرقة بينهم بالنار والقوة تزول المساحات بينهم (وبين مكوّنات المجتمع الواحد) ومن هذا العنف تظهر السلطة الاستبدادية كحامية للحرّيات بين الناس” وبالتالي يكون للدولة حق الحياة او الموت على الفرد، أي لا حرّية له على الاطلاق أمام سلطتها. ويضيف أرندت ان العنف او الاستبداد لا يكونان هنا وسيلة لفرض السلطة وتعديل النظام السياسي، بل أنّهما وظيفة النظام السياسي القائم
لا بد من الاشارة الى ان ما قام به النظام العام ١٩٨٠، ما قبله  وما بعده من “تسييس” للطائفة (العلوية) نجح على مر السنين؛ فالاحداث الحالية شهدت انتفاضة من بعض النخب العلوية ضد النظام معتبرة الثورة الحاضرة ثورة وطنية، ما لبث الاخير ان قمعها إما بالقتل أو بالترهيب، غير ان الشارع العلوي (ومعه شوارع المذاهب الاقلّوية الاخرى) ما زال موهوماً من التغيير الحاصل ومأخوذاً ببروباغاندا النظام. بالاضافة الى ما سبق، يقوم النظام – عن خبرة طويلة – باضطهاد وقتل  معارضيه، مستخدماً أبشع الاساليب وأكثرها ستالينية؛ كما يقوم النظام بتصنيف العنف الموجّه ضده على طائفة واحدة وهي الاكثرية (السنة)، وبالتالي  ”تخويف” باقي الطوائف منها على أساس ان حكم الاكثرية السنية يعادل الدكتاتورية، فيتكوّن بالتالي تحالف “الاقليّات” أو تحالف “المتضرّرين” من الاكثرية، ما يؤدي الى شروخ عامودية حادة في المجتمع السوري تعطي النظام فرصة جديدة أخرى من أجل البقاء وتعزل هذه المكوّنات عن بعضها وبالتالي تتحلّل “الدولة” بمفهومها المدني الحديث وتحيا نظرية “العصبيات” الخلدونية

٢- الجيش: يأتي الكاتب هنا الى ممارسات النظام البعثي منذ العام ١٩٧٠ بإقصاء كل الوجوه المناوئة التي تشكّل تهديداً للسلطة العسكرية للنظام، بالاخص السنية منها (أحمد سويدان) أو علويّة (محمد عمران، مجموعة “العلي” منهم من أُبعد أو انضم للنظام مثل علي حيدر  وعلي دوبا) . حتى أتى العام ١٩٨٢ ولا يوجد في الجيش السوري أية قيادات قادرة على تهديد السلطان البعثي العلوي . وتغيّرت وظيفة الجيش هنا من دعامة للدولة المدنية الحديثة، الى دعامة لهيمنة الطائفة العلوية على النظام والدول. من خلال استخدام النظام للورقة الفلسطينية بابتزاز دول الخليج والمساعدات المالية السنوية لسوريا التي خصّصوها “لدعم القضية الفلسطينية” فاستفاد منها الجيش لأجل تعزيز استقلاليته وقوّته ضمن السلطة من أجل تأمين حمايتها
بالمقارنة مع الواقع الحالي، لاحظ مدى نجاح خطة الاسد في اللعب على التناقضات وضمان ولاء قادة الجيش للنظام وشخص الرئيس السوري، وبالتالي بقائه قوة الدفاع الاولى والاخيرة للنظام بوجه معارضيه – وليس اسرائيل – وقد تبدّى ذلك من خلال قدرة النظام والجيش على الخروج من الانفجار الشهير للقيادة العسكرية (خلية الازمة) في منتصف العام ٢٠١٢  والتي راح ضحيّتها قادة الاجهزة الامنية في الجيش السوري. كما لاحظ التقارير العديدة التي تتحدّث عن أن العامود الفقري للفرق المقاتلة في الجيش السوري -بالاخص الحرس الجمهوري بقيادة ماهر الاسد- تتشكّل من العلويين والدروز ولا وجود للعنصر السني أو الكردي فيها بطبيعة الحال

٣- المدينة: تناول الكاتب هنا الاعمال “السلمية والمدنيّة” التي قامت في المدن السورية خلال أربع سنوات من الاحداث (١٩٧٨-١٩٨٢) والتي شملت الاضرابات واعتصامات التجار في دمشق وحلب، بالاضافة الى المظاهرات التي قادتها النقابات العمالية والحرة والقيادات من صفوف المحامين والمهندسين والاطباء ليستنتج بأن المعارضة السورية للنظام تمركزت في الاوساط المدينية القائمة منذ مئات السنين على عكس الارياف التي لم تتحرّك في الدفاع عن النظام الا انطلاقاً من العصبية المذهبية والدينية التي تحرّكها. استحضر الكاتب هنا ابن خلدون في تعريفه للمدينة؛ يعرّف ابن خلدون المدينة على انها مركز الحضارة التي تنتج الدولة والعلوم والاقتصاد وغيرها من مظاهر الدول، متقدّمة بذلك على “البداوة” أو “الريف” الذي عرّفه على انّه ما قبل الحضارة والذي تسوده “العصبيات” وعنصر البداوة من اعتماد على الزراعة والارض من أجل الاستمرار. فالمدينة اذاً هي شكل متعارض عضوياً مع العصبية التي تتّخذ من “الدعوة” أي الدين او المذهب او القومية دعائم لها.  يشير الكاتب من ناحية أخرى الى ان حزب البعث – كما بعض الاحزاب السياسية- فشلت في تشكيل مراكز الثقل لها في “المدينة” التي لم تفتح أبوابها “لأهل الريف” بل رفضتهم. لذلك كانت “القومية” و “العروبة”، شعارات انقلاب العام ١٩٦٣ الذي قام به حزب البعث كما الحركة التصحيحية لاحقاً في العام ١٩٧٠ هي التي أتت بالمجتمع الريفي الى قلب السلطة في المدينة ، وإنشاء طبقة “مدينية” رديفة – جلّها من العلويين والدروز والاسماعيليين -  نزحت من الريف واستفادت من الحزب (اي البعث) والجيش ل”تتمدّن” وتشكل رديفاً جدّياً للمدينية التقليدية التي أتى ردّها على مظاهر “تمدّن الريفيين” خلال الاحداث الاخيرة عبر استحضار العصبية – “الدعوة” أي المذهب السنّي- من أجل استنهاض الاكثرية السنية لدورها التاريخي في حراسة الارث الاسلامي الممتد تاريخياً منذ قرون في سوريا وبلاد الشام
لاحظ ان حزب البعث الذي كان معتمداً على عناصره في الريف  لتأمين حكمه  وقمعه للاحداث في ثمانينات القرن الماضي هو هو النظام الذي يلعب على الاوتار المذهبية والطائفية والاستعانة بالعصبية العلوية والاقلّوية من أجل قمع المعارضة الجديدة. غير انه لا بد من الاشارة الى “المدينة” اليوم قد تمّ تدجينها وضمّها بنجاح للماكينة البعثية، اذ ان الصورة التي أشاعها النظام في الاحداث الاخيرة ان المعارضة هي نقمة أهل الريف على أهل المدينة وكرههم لهم، بصورة أخرى هي ثورة المزارعين السنة على سكان المدن من أتباع الطوائف الاخرى. والاستنتاج ان الطبقة الرديفة التي ساهم البعث في تشكيلها نجحت في السيطرة على المشهد العام، كما ان حكم المخابرات ساهم بشكل فعّال في القضاء على النخبة الحرّة في المدينة. والملاحظة الاهم هي تلاعب النظام بثنائيات اليمين/اليسار، الصمود/التطبيع، المدينة/الريف من أجل تأمين استمراريّته بنفس أسلوب نظام الاب

٤- حزب البعث: ينطلق الكاتب من واقع ان النظام الذي أسّسه حزب البعث مع الانقلاب الذي قام به العام ١٩٦٣، أصبح مع الرئيس حافظ الاسد ماكينة لبسط سلطة العلويين -لاحظ صراع المدينة والريف عند ابن خلدون – حيث قامت المجموعة العلوية في الحزب بإقصاء القيادات السنية منه. ففي المؤتمر القطري للحزب عام ١٩٧٩-١٩٨٠ الذي تشكّلت منه الهيئة العليا وعددهم ٧٥ عضواً؛٣٠ منهم كانوا علويّين. على الرغم من هذه الوقائع  فشل جهاز حزب البعث في الدفاع عن النظام – على الاقل خلال الفترة الاولى للاحداث – إذ انّه وفي أحداث ٨ آذار ١٩٨٠ قام العديد من البعثيين بالاشتراك بالهجوم على مراكز الحزب. لذلك صدر لاحقاً قانون “أمن الحزب” الذي يوقع عقوبات “شديدة” بحق من يترك الحزب، وشدّد صقور الامانة العامة للحزب بقيادة رفعت الاسد شقيق الرئيس سلطته الامنية على الحزب. ينتهي الكاتب الى انه في دول المشرق، حيث الاحزاب تتصرّف كعصابات والدول تنشأ كتجمّعات سياسية، لا يسلم أي تحليل  يتعلّق بهذه الدول الّا بالعودة الى الطائفة او الدين
وهنا يبدو استنتاج ميشال سورا النهائي صحيحاً بدون شك، فالاحداث السورية الاخيرة، والاحداث اللبنانية منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا – رغم الاستقرار النسبي المحدود – لا يدع مجال للشك ان المذهبية تتحكّم بكل وسائل السلطة، والدولة بذاتها ما هي الّا امتداد لسلطات الطوائف. فالدولة السورية “الحديثة” التي بناها حافظ الاسد واستمرّت من بعده مع بشار الاسد انكشفت على أبواب درعا يوم انطلقت الاحتجاجات في آذار ٢٠١١ من خلال استغلال الطائفية والمذهبية وتخويف الاقليات من بعضها ومن الاكثريّة السنيّة، وهنا تعود الدولة او “المدينة” على تعبير ابن خلدون الى العصبية القبلية الاولى لكي تجد الامان امام اندثار نظرية الدولة، حامية المجتمع المدني العام

٥- الامّة: ينطلق ميشال سورا في استعراض منطق الاخوان المسلمين المرتكز على “ثالوث” ابن خلدون: العصبية – الدعوة – المُلك. فحسب ابن خلدون ان الجماعة، او “العصبية”، المرتبطة بروابط معيّنة (دين، رابطة دم، مصير…)  في زمن ومكان محددين تلجأ الى “الدعوة” كوسيلة للوصول إلى “المُلك” (اي الحكم). بالتالي، بالنسبة للأخوان المسلمين، يكفي ان نستبدل “العصبية” بالطائفة العلوية، والدعوة بال”دولة الحديثة” حتى تضّح الصورة بالنسبة للنظام البعثي العلوي. فسلطة الرئيس حافظ الاسد استخدمت الدعوة، يفصّل الكاتب الدعوة بأنّها العروبة والاشتراكية وبناء الدولة الحديثة، من أجل تأمين الحكم للعلويين، وإقناع باقي المذاهب بمشروع عام شامل وهو وهم بناء الدولة الحديثة، مع إبقاء “صفاء” المشروع العلوي السياسي موحّداً. وفي هذا الاطار قام نظام الاسد بربط مصير الطائفة العلوية بشخصه، من خلال الاجتماعات الدورية العامة مع وجهاء العلويين، وزياراته المتكرّرة لمنطقة الساحل السوري – مركز ثقل العلويين -، ومن خلال جمعية “علي المرتضى” ونشاطاتها في شراء الولاءات لنظام الاسد، كما من خلال إقصاء وقتل واغتيال المعارضين لسلطة الاسد، بالاخص داخل الطائفة العلوية (اغتيال محمد عمران، محمد الفضل…). هذا بالاضافة الى ما قام به النظام أثناء الاحداث الاخيرة من عملية تخويف ممنهجة داخل أوساط العلويين؛ فللمرة الاولى في التاريخ تصل الطائفة العلوية للحكم في سوريا، لذلك قام النظام بتصوير تحرّكات الاخوان المسلمين بأنّها رد فعل على حكم العلويين ورغبة بالانتقام منهم. كل هذه الممارسات التي مارسها الاسد من أجل تأمين استمرارية نظامه، ومن خلفه سلطة العلويين أسقطت  مشروعية “الدعوة” – العروبة والاشتراكية – الذي نادى به منذ استلامه السلطة
يستنتج الكاتب ان ما يجري في سوريا ليس صراع بين اليمين واليسار، او بين طبقات المجتمع او حتى بين التقدمية والرجعية. الصراع برأيه ينحصر بتثبيت سلطة الأسد العلوية (المُلك في القاموس الخلدوني) وما الديمقراطية والمجتمع المدني الا مصطلحات استعملها هذا النظام من دون وجود حقيقي لها على أرض الواقع.

ينتقل ميشال سورا بعد ذلك لذكر ممارسات النظام السوري على الصعيدين الداخلي والخارجي من أجل تثبيت سلطته وابتزاز الخارج ومقايضتهم  لاستمرار صلاحيته. فالنظام البعثي الذي قام بانقلابه على أساس الريف بمواجهة المدينة وما فيه من صراع طبقي مزمن، استمر مع حكم الاسد على أساس الغبن الطائفي التاريخي اللاحق بالطائفة العلوية من قبل الطائفة السنية، ولا يجد في دكّ النظام لمدينة حماة في شباط ١٩٨٢ الّا تلك الروحية التي يعالج النظام بها الازمات. وللتذكير ان التاريخ يذكر انّه ومنذ مئة عام، لم يكن الشخص العلوي يستطيع دخول مدينة حماة من دون ان تتم إهانته أو ضربه أو حتى قتله من قبل السكان “السنّيين”. فكما في الداخل كذلك في الخارج، يلجأ نظام الاسد الى العنف والارهاب من أجل السيطرة والتفرقة وإعطاء المشروعية الدولية له؛ من  إرسال السيارات المفخخة الى بيروت وصيدا العام ١٩٨٢ من أجل إفهام عرفات أنّه ليس الناطق الرسمي باسم الفلسطينيين. الى إرهاب الجيران،  سيارات مفخّخة في عمّان، تفجيرات في بغداد، دعم لحزب العمّال الكردستاني في تركيا. الاستفادة من خدمات منظمة “أبو نضال” الارهابية على صعيد عالمي، تحريك الميليشات العلوية في طرابلس بيروت بقيادة علي عيد الذي يأتمر شخصياً بالاسد

يحلّل ميشال سورا في مقالة أخرى المجتمع السوري خلال الاحداث الاخيرة ودورها في الصراع الدائر على السلطة.  فالمعارضة السائدة للنظام  تتألّف خاصة من الاخوان المسلمين، بالاضافة الى المعارضة السياسية: شيوعيّو “المكتب السياسي” بقيادة رياض الترك، الناصريون بقيادة فوزي الكيّالي، وحركة ٢٣ شباط البعثية، وهي الجناح الحاكم بين الانقلابين البعثيين (١٩٦٦-١٩٧٠) بقيادة ابراهيم ماخوس، صلاح جديد، نور الدين الاتاسي…الموجودين امّا في المنفى أو في السجن. لا تنفي تلك المعارضة السياسية قدرة الاخوان المسلمين على كسر حاجز الخوف في المجتمع من السلطة الحاكمة، من غير أن يبرروا الارهاب الممارس من قبل الحركة.  وعلى عكس هذه الاخيرة وحركة ٢٣ شباط، تجمع القوى الشيوعية (المكتب السياسي) والناصريّة على ان وهم إسقاط النظام بين يوم وليلة هو حلم، وواقعيّتهم حدّدت تحرّكاتهم السياسية والعملانية بإبقاء أي تحرّك على المستوى السياسي دون الدخول في المتاهات الامنية. وعلى الرغم من أن المعارضة أعطت طابعاً مدنيّاً متعدّداً لحركة الاخوان المسلمين غير ان الاحداث تركّزت في المدن ذات الاغلبية السنيّة من حلب حيث الثقل الاكبر للطائفة السنية والاخوان المسلمين، الى حماة المدينة ذات “التطرّف الاسلامي” الاقوى في سوريا، الى الريف حيث الاشتباكات في جبال العلويين واللاذقية بين السنة والعلويين. كل هذه الاحداث أوجدت واقعاً ظهرت فيه السلطة البعثية عاجزة عن الحسم وردع حرية حركة الاخوان المسلمين، وهذا يدلّ على ان الحركة تتمتّع بتعاطف واسع بين الاهالي في مختلف المدن التي تجري فيها المعارك. في مقابل الحركة العامة للمعارضة التي كانت في تصاعد مستمر، من الناحية السياسية الاجتماعية المدنيّة  – باستثناء العنف الذي كان حكراً على الاخوان المسلمين  والذي لم يبرّره ميشال سورا كما لم يبرّر العنف السلطوي -  كان للسلطة رأي آخر، بداية من خلال تطهير الجيش من العناصر المعترضة والتي يمكن ان تشكّل خطر حيث تم القبض على عصبتين في الجيش جلّها من العناصر السنّية، وأُصدر بمنع أكثرية الطيّارين السنة في السلاح الجوي من الطلعات الجوية. كذلك قامت الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة في سوريا بإصدار بيان يفصّل “الاعتراضات” العديدة للجبهة على الممارسات الخاطئة للسلطة، الفساد الاداري، المطالبة بتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية ومعالجة غلاء الاسعار… وكأنّ البيان صادر عن المعارضة أكثر منه عن قلب النظام الحاكم والمسؤول بالدرجة الاولى عن التردّي الحاصل. وبعد يومين بدأت موجة من الاعتقالات والتوقيفات المرتبطة بالبيان المذكور، حتى ان بعد فترة ساد الانطباع ان البلد يفلت من السلطة البعثية وان الحريات العامة  حقّقت إنجازات على هذا المستوى. غير ان القرار النهائي للرئيس الاسد شخصياً،  فداخل حزب البعث حيث كان الصراع بين الجناح القديم الذي يمثّله محمد الايوبي، عبدالله الاحمر، محمد بجبوج الذي ينادي بالتعامل “الناعم” مع المعارضة ومحاورة الاطراف السلمية، والجناح الشاب يمثّله رفعت الاسد الذي ينادي بالحسم العسكري السريع والامتناع عن أي عملية محاورة. وبالرغم من انّ الرئيس حافظ الاسد ظهر بمظهر الحكم بين الطرفين، حسم الاسد الامر في النهاية لصالح الجناح الشاب، ويكون بذلك خيار الحسم العسكري بوجه المعارضة

قام ميشال سورا بتحليل كافٍ ووافٍ عن الوضع السوري العام، وبالاخص التحليل المتعلّق بالسلطة الحاكمة، وفصّل تكوينها وأهدافها المعلنة وغير المعلنة. بالإستناد الى ما قام به الكاتب في العام ١٩٨١ حتى العام ١٩٨٣ تاريخ اختطافه، وبالمقارنة مع الوضع السوري الراهن بعد الثورة السورية الاخيرة العام ٢٠١١ واستمرارها لغاية اليوم نجد ان التاريخ يكاد يعيد نفسه بالطرق والاساليب والاجتهادات نفسها. فالنظام ومنذ اليوم الاول للثورة في آذار ٢٠١١ اتّهمها بأنّها ثورة سنّية وطائفية، وهنا تلاحظ المنطق الخلدوني – الذي تناوله ميشال سورا – في تعبئة الجماعة، العلوية كما باقي الاقلّيات، والتخويف من الثورة باعتبارها وسيلة سنّية للإمساك بالسلطة وقمع المذاهب والطوائف الاخرى، حتى ساحات القتال تتكرّر بوسيلة مثيرة، فكما سنتناول لاحقاً من خلال السياق الزمني للأحداث في سوريا، يكفي ان أذكر هذه الاسماء التي يعرفها من يتابع الاحداث في سوريا على أنّها ساحات ارتكب فيها النظام مجازر على امتداد عام ونصف منذ آذار ٢٠١١: جسر الشغور، حماة، حمص، حلب، الرستن…

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 703 other followers

%d bloggers like this: