الى ضحايا الشوارع تحية

بعد تحرّرهم من النير العثماني، أمضى العرب قرن من النضال من أجل التحرر من الاستعمار ووضع اليد الاجنبية على بلادهم، فأتت مرحلة الاستقلال الذي بذلوا من أجله الغالي والرخيص من الدماء والآمال والأعمار. غير ان ما بدا كواقع يتحقق يوماً بعد  يوم من وحدة وجامعة تجمع ومستقبل مشترك وكفاح سلمي ومسلّح لنهضة الدول والمجتمعات سرعان ما تبيّن أنه سراب، ذاك السراب الذي يكثر انتشاره في البوادي العربية، انه النوع الذي تكون فيه هائماً في الصحراء فتضع كل قواك وتركض في الرمال علّك تصل الواحة لكي ترتوي….وعندما تصل تجد الحرارة أشد والعطش أفتك والواقع أمرّ. فالوحدة استبدلت بالجامعة، والتوافق المطلوب في الجامعة استبدل بالانعقاد الصوري. حتى أن التجمعات الاقليمية قامت على أنقاض الوحدة وأحلامها المتكسّرة، فقام مجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي وغيرها.

ما سمّي بعصر النهضة بعد الانحطاط في منتصف القرن التاسع عشر لم يتعلّم من نظيره الاوروبي، فكانت نهايته سريعة في المهد، وامام تخلّف أهل الارض وجشع الاستعمار تم تقسيم وتقاسم الأرض وكأنها قالب حلوى، والذل الذل اننا انخرطنا في التقسيم و”كبرت الخسة” براسنا وكأن بلادنا منذ الأزل قامنت ولمّا تركع بعد. وهنا لا بد للحديث عن الحاضر ان نعود الى تلك الفترة الذهبية، “النهضة” حيث قامت في بيروت بالأخص وفي القاهرة حركة فكرية ثقافية لم تعرف العرب لها مثيلاً، أسّست لما يسمى بالفكرة العروبية ونهضة الأفكار القومية الجامعة بعيداً عن الوعاء الديني والمستوعب الطائفي الذي مهما كان نبله فإنه يقصر عن تحديد الهوية الوطنية لأبناء الوطن الواحد. وفي استعراض سريع للأسماء نجد أن المسيحية اللبنانية كانت المساهم الأول والأهم في تلك النهضة العربية التي أثّرت على واقع العرب وعلى مستقبلهم. ونكتفي بالأشارة الى بطرس البستاني وناصيف اليازجي وجرجي زيدان وجورج أنطونيوس وجبران خليل جبران، بالأضافة الى روّاد الصحافة في لبنان ومصر والمهاجر القريب والبعيد. الحقيقة أن الاسماء كثيرة ومشرّفة وتراثها ما زال قائماً ومنتجاّ حتى اليوم. هذا وينضم الى تلك القافلة من النهضويين العديد من الاسماء “الاسلامية” التي نشرت مناخاً من الحرية والنقاش العلني الفكري الرصين المثري للفكر العربي والعالمي. من جمال الدين الافغاني الى الامام عبده وطه حسين الشيخ عبدالله العلايلي… هذه الكوكبة اقترفت جرم التفكير علانية، ومنحت الشريك صك المواطنة في دول مدنية نستحق جميعاً التطلّع اليها، هذ الكوكبة تجرّأت واقتحمت مجاهل أفكارنا التي اهترأت من قلة الاستعمال والتعوّد على الخنوع والطاعة والسجود للحاكم باسم الله. هذه الكوكبة قامت بإسم الفكر والعقل بتدمير هياكل أفكار تعبّد فيها الناس ألهة ظنّوا أنه الله، هذه الكوكبة التي تمّ اعدامها أو يتم أعدامها يومياّ في الشوارع وعلى المنابر بجرم “الهرطقة” فهنيئاً لهم.

هذا ما كان يعرف بعصر النهضة، أما اليوم فنحن ندخل مرغمين عصر الانحطاط الثاني. لسخرية الأقدار أن من نادى بالعروبة والتحرر الوطني  ينحرها ويمثّل بجسدها كما لو أنها عاهرة تزني في المسجد، تمسّكوا بكراسيهم حتى هزأ الخلفاء الغابرون من طمعهم. هذا الواقع جعل السيطرة تقريباً وبالتأكيد مستقبلاً للأفكار المتطرّفة “الضدّ” التي تقوم على هدم ما بني. واذا كانت العروبة منتج وطني فهي، اي الأفكار المتطرّفة، تفجّر الكنائس ليكفر المؤمنون، تذبح المسلمين من غير طوائف ليقتتل ابناء الله الواحد على الأرض. عند المراجعة يتبيّن لك أين أصبحنا: مسلمون مقتتلون منذ الآن والى يوم الدين، مسيحيون خائفون من جيران كنّا لهم السند والعضد فيما مضى، علمانيون…. نبحث عن “مرقد عنزة” ولو في الحجاز. السودان تفتّت، العراق ثلاثة أ”عراق”، سوريا في الثلاجة البعثية، لبنان لعبة مطاطية بين الدول، والباقي أسوأ…

أما التحية اليوم فهي للمواطنين في تونس والجزائرالذين نزلوا الشوارع طلباً للكرامة الشخصية  بالعيش، أن العمل حق والوظيفة حق والرغيف حق والكرامة حق كل مواطن. نزلوا ليقولوا أن الشعب والشباب هو بالأساس معطاء منفتح يبغى العمل الكريم لكي ينتج أفكاراً جديدة خلاّقة. نزلوا ليقولوا أن الواقع يجمعنا لو من عبدنا. نزلوا ليعلم الأقباط والمسلمين في مصر أن الفقر ليس مسلكا او مسيحياً، نزلوا ليعرف الشيعي في العراق ولبنان أن السني أقرب له من أخيه الايراني، والسني ليعرف أن الدين تسامح وانصاف في المعاملة. في تونس والجزائر تحدّى الناس بطش السلطان وغباء الأمن وتعتيم الأعلام لكي يقولوا أنه في زمن الأنكسارات لا بد أن يكون هناك أمل، لا بد أن تكون الحياة مخلصة للذي يخلص لها. فعل المواطنون هناك ما لم يجرؤ لا اللبنانيون ولا السوريين ولا أي عربي آخر، العودة الى الشارع ووضوح الشارع.

في هذا الزمان الزاخر بالانكسارات، تحية لمن يحاول أعادة الحكم للشارع، ولو فشل المهم أن الأساس قد تضرّر ووقوعه قريب.

 

ملاحظة: عذراً على استعمال كلمات “مسيحية” واسلامية” ولكن متطلّبات الواقع ولكي يعرف الجهّال أن النهضة مشتركة

Advertisements

Posted on 11 يناير, 2011, in حقوق انسان, سياسة and tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: