حزب الله: المسيرة من المقاومة الى الحكم

 

تتتابع الاحداث المثيرة يوماً بعد يوم في هذا البلد الصغير الذي يبرهن يوماّ بعد يوم خروجه من المنظومة الطبيعية للمتطلّعين الى المستقبل ويغرق بحاضره الذي يحاصر جميع من فيه بوقائع التخلّف والجهل. ومن يتابع هذا الواقع يكتشف ان السياسة في لبنان يسيّرها فصيلين لا ثالث لهما: حزب الله الشيعي وتيار المستقبل السني. سنتناول اليوم التيار الاول.

 

يعتبر حزب الله اللبناني بحق الولد غير الشرعي للنظام الأقليمي القائم منذ منتصف القرن الماضي. فمنذ الأحتلال الأسرائيلي للجنوب اللبناني وقيام المقاومة الفلسطينية – اللبنانية المشتركة، الى تهجير المسلمين من المناطق المسيحية، نشأ الطوق المحروم على جوانب بيروت الذي يتغذّى بالحرمان، ويقوى بالمسكّنات الطبيعية، أي بالدين خاصة بعد تجربة الأمام الصدرمع تيار المحرومين وبدء أفول التيارات اليسارية. مع انطلاق الثورة الخمينية في ايران، وجّهت نظرها نحو اخوانها بالمذهب لكي تحصل على ما هي بحاجة أليه، النفوذ السياسي المرتبط بالدين والأيمان . وبنفس الوقت كان الأجتياح الأسرائيلي الكامل لبيروت لكي يعطي الشرارة وانطلقت المقاومة الأسلامية في لبنان بخبرات وطنية مطعّمة بالخبرات الأيرانية والولاء المطلق للولي الفقيه. فمن تناسخ الأحتلال الأسرائيلي مع الضابط الأقليمي للمعادلة أي سوريا مع المندفع الأقليمي لتخفيف أعباء حرب الخليج الأولى عليه أي ايران، كان حزب الله ابن هذه المعادلة.

الخلاصة انه حتى العام 2004 كان حزب الله ونتيجة الاتفاق السوري الايراني الذي تم ابرامه في ثمانينات القرن الفائت بعد الحرب “الأخوية” الدموية بين الفصيلين الشيعيين بالأصالة عن نفسهما وبالنيابة عن مرجعيهما الأقليميين، نصّ على ان تكون الساحة المقاومة في لبنان لحزب الله على أن تكون حصة الشيعة في الدولة لحركة أمل. من دون ان نذكر كيف تمّت تصفية أركان المقاومة الوطنية في الجنوب والبقاع الغربي تباعاً. وهكذا كان الأتفاق المرعي الأجراء حتى ذلك التاريخ حين قرّر سيّد دمشق أن يجدّد للرئيس لحود وما أتى بعدها من تجمع بريستول ولقاء عين التينة.

 

في 14 شباط 2005 اغتيل رفيق الحريري، ازداد الضغط على سوريا للأنسحاب، عندها نزلت قوى ما عرف بعدها ب8 أذار الى ساحة رياض الصلح لأعلان الولاء السياسي لسوريا. ولمن خانته الذاكرة، فان السيّد قال في خطابه أن الموجودين في ساحة الحرية لا يتعدّون المئات وان وسائل الأعلام تقوم بتقنية ال”ZOOM IN”، كما نبّه الى أن لبنان ليس أوكرانيا (كان شعار الثورة في اوكرانيا البرتقالي تماماً كما شعار الوطني الحر!!!) وان الثورة هنا لن تنجح، وكان التحضير بالسرّ للمرحلة المقبلة في لبنان. وردّت المعرضة آنذاك ب 14 آذار وذهول الحزب والعالم أجمع لهذا التجمّع العفوي للناس ردّاً على سياسة مصادرة الأصوات الوطنية.

 

في تلك المرحلة طرأ تعديل على عمل حزب الله الداخلي، اذ أن الفراغ السوري في البلد لا بد أن يملأه أحد قادر على الموازنة مع التيار المقابل القادم بكل قوة، لذلك كان تعديل الاتفاق السوري الايراني على حساب نبيه بري بأن يستلم حزب الله بما لديه من امكانات مالية معنوية بشرية قتالية بتخفيف الاندفاعة الآذارية نحو الحرية والسيادة والأستقلال. وأتت الأنتخابات النيابية 2005 وما رافقها من نجاح أول في ذلك بأقامة ما يعرف الأتفاق الرباعي وضرب الوطني الحر من خلال هذا الأتفاق. غير أن انقلاب الأطراف جميعاً عليه أدى الى وأده وقرّر حزب الله عندها المبادرة. فالى جانب الأغتيالات التي قضت على رموز التيار الآذاري في البلد ورموز القلم والفكر ممّن كانوا مؤهّلين لأن يكونوا أخصام لدودين لأي محاولة هيمنة، اعتكف الوزراء الشيعة عن جلسات مجلس الوزراء في 12/12/2005 بعد اغتيال تويني (للتذكير تم اطلاق النار ابتهاجاً في الضاحية) وتظهّر الخلاف بين حزب الله وجنبلاط الى العلن مع شعار “سلاح الغدر” والمصالحة مع التيار الوطني الحر الذي انضم للجبهة المعارضة وأصبح طفلها المدلل،  وكانت سياسة الحزب محدودة التأثيربانتظار أمر كان مقدّراً حدوثه.

 

واتت حرب تموز 2006 وما رافقها من ضرب لبنية الجولة المادية والمعنوية، بالأضافة الى أخطاء 14 آذار التكتيكية، وخروج حزب الله منتصراً من المعركة (على عكس لبنان الذي كان الضحية)، نزل التيار وحلفاؤه الى الساحة وكانت الخطة ان يسقطوا الحكومة من خلال الشعب وأو من خلال القوة الضاربة للمقاومة الجاهزة آنذاك لأي تدخّل الى السراي. من هذه المرحلة دخل حزب الله الى السياسة اللبنانية من خلال كونه المقرّر الأوّل فيها الى جانب تيار المستقبل انذاك والى كونه حامل السلاح المدجّج، فعند هذه النقطة حصل التوازن بين الطرفين في لبنان وانتقل المحور السوري الايراني من الدفاع الى الهجوم وامتلاك المبادرة نسبياً. وأصبح الحزب ينسّق الخطوات السياسية والميدانية وكان كل الحلفاء دون استثناء يتبعون خططه وسياسته.

 

هذا الحصار الميداني للسراي الحكومي لم يثمر عن سقوط الحكومة، كما أتت حرب مخيّم نهر البارد لكي تخفّف من حدة المطالبات قليلاً،. للتذكير فقط، في تلك الفترة كان أمين عام الحزب يهدّد في كل مناسبة ان من تمتدّ يده لسلاح الحزب سوف تقطع وأن الحزب قادر على الخروج مرّة واحدة الى كل الساحات…رغم كل الأدعاءات لم يكن الحزب ولا الحركة قادرين على توقيف عمل الحكومة التي مضت قدماً بتقرير المحكمة الدولية وتوقيع كل البروتوكولات المرافقة لانشائها، بالأضافة الى أن الدولة اللبنانية كانت تسير ولو عرجاء، فلم يؤد غياب المعارضة الوظيفة التي من أجلها كان. غير ان الستاتوكو السياسي كان لا بد من كسره اذ ان الطرفين وقعا أسيري مواقفهما والخطوط الحمراء المرسومة.  ولم يكن امامهما الاّ ان يضربا على الأرض فكانت ساعة الصفر.  وكانت المناسبة مع قرار تفكيك أتصالات حزب الله وعرّابه وليد جنبلاط الذي يبقى حتى ثبوت العكس عرّابه الأوّل. ففي 8 أيار احتلّت المعارضة بيروت في أربع ساعات رغم بعض جيوب المقاومة في بعض الأحياء الداخلية (وطى المصيطبة، كركول الدروز..) وامتداد الهجمة الى الجبل وتبادل اطلاق النار والأصابات بين الحزب وأنصار  الأشتراكي ومن معهم من أنصار التيار الأرسلاني كان للمعارضة ما أرادت وبالحقيقة أنها كانت كريمة بعدم تنفيذ الأعدام السياسي بحق المستقبل ووليد جنبلاط.

 

مع هدوء الجبهة الميدانية بعد 13 أيار رحل الأطراف الى الدوحة لرسم مفاعيل الهجمة البيروتية الجبلية. عندها امتلك الحزب قرار الشارع والسياسة والأرض وكل المعطيات أصبحت بين يديه، ورغم أن المنطق يقول بأن تيار المستقبل لا بدّ من  تحجيمه للمرة الأخيرة، مضى الحزب ومن معه بسياسة تأمين الثلث المعطّل الضامن، ولكي يكون التعطيل وطنيّاً كان الجنرال هو رأس الحربة غير أن الحزب لم يأمن ما كان يحصل عليه من أنجازات، اذ أن الوطني الحر مشارك فيها وبالتالي يمكن نظرياً ان تعود عقارب الساعة الى الوراء ويتم عزل الحزب. لذلك كانت الخطة التالية الاتسحصال على الثلث للحزب وحليفه (للشيعة بنظرهما) لكي يضمن الحزب الحصة المقرّرة في الدولة. ومنّ الحزب النفس ان يتحقق له ما يريد من خلال الأنتخابات النيابية، غير أن الأنتصار لم يكن كما أراد، وكان لا بج من التعامل مع تيار المستقبل المنتصر الأول. وكانت المهمة التالية للحزب عرقلة حكم الحريري بأي ثمن حتى يفقد الزخم المرافق لانتخابه، ولكي يحرق أوراقه. يوماً بعد يوم، اشتركت القوى السياسية كلّها في لبنان بعملية تدمير ممنهجة للمجتمع اللبناني من خلال عدم الحكم، أو عدم تمكين الطرف الآخر من الحكم، وتعطيل المؤسسات من أعلاها الى أدناها. فأصبح لبنان يعاني الفراغات الادارية القضائية الدبلومايبة العسكرية الخطيرة جدّاً واصبح تعيين الحاجب بحاجة الى توافق سياسي، وأمام كل الأنحدارات كان الصعود الأقوى والوحيد هو للشعور الطائفي وكره الطرف الثاني من أي طائفة كان، أضف اليه انعدام التواصل الكاسر والعابر للطوائف، حيث “تقوقع” كل مذهب في منطقته وساهم في ذلك وجود الجامعات والمستشفيات في أغلب المناطق ممّا فوّت الفرصة على الأحتكاك والتواصل. وأصبح بعض شباب اليوم أشد تطرّفا مما كان عليه من مئة عام……

 

وتأتي الضربة الأخيرة للحزب وحلفاؤه لتقضي على ما سمّي بالتعايش القسري مع المستقبل، وأصبح لزاماً على الحزب تصفية المحكمة الدولية لبنانياً، واذا اضطرّ الأمر تصفية كل من ينادي بها لبنانياً، وهذا بالتحديد ما باشر فيه الحزب، فالأستشارات اليوم ستأتي بمستر X الذي سيأخذ القرار المرّ بفك الارتباط بالمحكمة مع أو بدون رضا سعد الحريري الذي عليه أمّا الأنصياع أو المعارضة…. من الخارج، على ان يتم التطهير الكامل الشامل لكل الأدارة من “مخلّفات” المرحلة السابقة ليعود النظام السابق الى مواقعه. أمّا الحل الثاني أن يأتي الحريري عندها تعود عملية الأبتزاز السياسي والمقايضات بين كل الأطراف من أجل تثبيت مطالباته، فاذا رضي الحريري بمطالب الحزب كان به، أمّا اذا لم يرض  فسيستكمل الحزب ما بدأه في 8 أيار ويقضي نهائياً على تيار المستقبل سياسياً وعسكرياً.

غير أن ما يريد الحزب حقيقة تحقيقه بعد اعدام المحكمة الدولية هو تقرير حقه وحق حليفته حركة أمل بالثلث المعطّل الضامن على أساس أن ما تحقق لم يكن ممكناً من دون الأستعانة بهذا الثنائي، وعندما يكون المستقبل قد انتهى سياسياً فمن ستكون له القدرة على المعارضة؟

 

انتقل حزب الله من ميدان المقاومة الى ميدان السياسة لكي يملأ فراغ الخروج السوري، من اعتكاف غير ذي قدرة على حل الحكومة، الى عملية عسكرية سريعة أعطته القدرة على حل الحكومة دستورياً، وها نحن أمام المرحلة الثالثة أي تأليف الحكومة واستبعاد أي طرف لا يقبل الشروط الألهية – السورية – الأيرانية. مسيرة طبيعية جداً بالنظر الى تتالي الأحداث، غير أن نظرة سريعة الى التاريخ تعطينا الأستنتاج التالي: المقاومة العسكرية أي الميليشيا عندما تستلم السلطة ويصبح حجمها أكبر من الدولة تدخل مرحلة الخمول، وبالتالي الأنهيار الداخلي الأخلاقي والتعبوي والترهّل المالي ، بشكل آخر “الثورة تأكل نفسها”. على أنّه يبقى الدواء الأول والوحيج لكل هذه المشاكل هو أن تقوم أسرائيل بمهاجمة الحزب، اذ حينها تعطيها المضادات الحيوية لكل هذه العوارض وتنشّط مفاصله وتعيد عافيته المفقودة في الحكم، ولكن ما سيكون وضع البلد بعدها؟ وطن من دون مقاومة ولا دولة؟ أم مقاومة من دولة ولا وطن؟

 

siyesse.com

 

 

Advertisements

Posted on 24 يناير, 2011, in ملفات, تفكير حر, سياسة. Bookmark the permalink. 2 تعليقان.

  1. بعتقد انو الي فترة كتير طويلة ما استمتعت بالقراءة بسلاسة متل هلق من حيث دقة المعلومة و ثقة التعبير و اختصار الفكرة من دون بترها. يعطيك العافية 🙂

    إعجاب

  1. التنبيهات: Tweets that mention حزب الله: المسيرة من المقاومة الى الحكم « Hartakat هرطقات -- Topsy.com

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: