السيتي كافيه وقصة بيروت

اعلن منذ يومين صاحب السيتي كافيه اعتزاله تقديم الخدمات “القهوجية” في مقهى السيتي كافيه الشهير والكائن في قريطم. وللعلم فإن مقهى السيتي كافيه من مقاهي بيروت العتيقة والعريقة والتي ساهمت في حراكها الثقافي المتميّز.

ها هو السيتي كافيه يهوي بعد هذه الفترة الغنية، وقد أتى إقفاله بعد أن أقفلت جميع مقاهي بيروت – شارع الحمرا بالتحديد – منذ ما بعد الحرب الأهلية. من المودكا الى الهورس شو والكافيه دو باري، من دون ذكر رحيل النهار وحيويّتها والعديد من المعالم الثقافية. معالم رسمت وساهمت برسم صورة بيروت التي أفقنا عليها: بيروت الثقافة والحرية والحوار بين الأفكار الثورجية والقومية واليسارية وما الى هنالك من أفكار ابتكرها أو استوردها العقل البيروتي. فهل هي أمور مالية أم أنها متعلّقة بالمحيط البيروتي، واستطراداً الللبناني؟

من يطالع تاريخ بيروت منذ بدء التدوين – وليس الblogging– يستنتج أن هذه المدينة غريبة عجيبة، فهي دائمة التغيّر والتبدّل، وحسب ما يقوله المؤرّخون وآخرهم سمير قصير في كتابه “تاريخ بيروت” بأن المدينة الحالية قائمة فوق سبعة مدائن قديمة، وبالتالي سواء كان السبب طبيعياً كالفيضان أو الزلزال أو حتى التسونامي، أو كان السبب بشرياً كالحروب والاحراق الذاتي والتقاتل، فإن بيروت تعتبر بامتياز مدينة ثائرة على الجمود. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار إقفال معالم بيروت السابق ذكرها مجرّد عنصر من عناصر التبدّل والتغيّر لمدينتنا وهو امر طبيعي. وبيروت الحاضرة في ذاكرتنا كجيل لبناني استفاق على صورة مؤطّرة للمدينة، هي بيروت الحرية والنقاش الفكري المحتدم بين اليمين واليسار، القومية والعروبة، بالإضافة الى كل أشكال التناقضات الفكرية، كما انها بيروت الفساد والعمليات المالية المشبوهة وسوق الأثرياء العرب ومخبأ شهواتهم وملذاتهم، بيروت التناقض الفجّ بين الحداثة والفوضى والفقر والغنى. فمن صميم تلك التفاعلات الفريدة برز شارع الحمراء كمتنفّس أو كهايد بارك لبناني عربي في منطقة عانت من الدكتاتورية والقمع والعدوان المستمر. هذا الشارع هو الذي جمّل تاريخ لبنان والمنطقة منذ الخمسينات وحتى ثمانينات القرن الماضي، ومن قلب الشارع برزت معالمه المكوّنة لحاضره، من الجامعة الأميركية ومبنى النهار، الى ساحات الصراع والنقاش، أي الويمبي والمودكا والسيتي كافيه وغيرها من أماكن التجمع القهوجية والمطعمية والباراتية.

التطرّق الى التبدّل والتغيّر كميزة مرافقة لبيروت، ينقلنا الى الحديث عن تطوّر المدينة، بمعنى آخر هل هذا التبدّل نحو الأفضل أم أنه مجرّد انتقال ظرفي؟ استكمالاً لما سبق، فان شارع الحمراء اليوم لا يشبه كثيراً ذاك الشارع الذي كان ممتلئ حركة وحيوية. النهار غادرت مبناها الى الوسط التجاري حيث يتم بناء مستقبل المدينة بغض النظر عن رأي الناس بهذا المستقبل او علاقتهم به. والمقاهي أضحت محال تسوّق عالمية (فرانشايزينغ) وهذا يبرّره الوضع العالمي حيث ان الشركات العالمية وماركاتها اجتاحت أسواق العالم – وعذراً مع أني لست شيوعياً، أو ربما أكون؟ – فان تلك الظاهرة تشعرني بالاشمئزاز من تلك الصورة النمطية التي تلوّن بها العالم منذ عشرين عاماً، هي صورة الماكدونالدز والستارباكس أينما ذهبت… والملاحظ هنا أن مزاج الناس قد تغيّر بذاته وهو ما فرض تغييراً في الأماكن: مستوى المطالعة الى تدنّ، مستوى الانخراط السياسي (لا الطائفي) يكاد يكون معدوماً، والابتكار الفكري محدود وغير منتج. لم تعد المظاهرات تتكوّن من رحم جامعات المدينة، ولم يعد هناك “عسكر” بيسكر بالحمرا، ولا تظاهرات يسارية حمراء معترضة على الظلم الاجتماعي. فحتى اليوم وبمناسبة “الربيع العربي” لم تشارك بيروت بصوتها وشبابها وقوة الحرية والاعلام فيها بفعالية لا في تونس ولا في مصر… أما بالنسبة الى سوريا فالتقاعس عظيم والمثقفون كشفوا زيف انتماءاتهم وقشرة الفكر التي يتلطّون ورائها، تاركين الدم السوري يسيل من دون أي ردة فعل، لعلّ روّاد الحمرا في السبعينات كانوا ليسيروا للمصنع وليس فقط في بيروت – تساؤل فقط – عن طبيعة الثقافة والمثقفين وفي القرن الواحد والعشرين روّاد الستاربكس والكوستا وبعض البابز pubs في الشارع في محاولة لخلق هوية جديدة للمدينة.

بالمقابل فان الانفاق والاستهلاك يكادان يكونان بحدّهما الأقصى، وسطوة الدعاية على الناس تغلب الوعي والفكر ولذلك كان لا بد من أن تنتشر عقلية الاستهلاك والتسوّق وتغلب طابع المناقشة والتثقّف وبالتالي ان “تفقّس” تلك المحال التجارية ومراكز التسوق لترسم صورة الشارع الجديدة. من هنا فإن التبدّل الحاصل قد لا يكون نحو الأفضل بطبيعة الحال… ولا أهمية لذلك فإن رفض الواقع الحالي لا يكون بالتمسّك بالوضع القديم الذي لا رجوع اليه بل يكون بالسعي لتغيير “التغيير” الجديد من خلال خلق بيئة مؤاتية. فها هي صورة مدينة القرن الواحد والعشرين ترتسم، أراها كمثيلاتها الخليجية – والعياذ بالله – مدينة تتحرّك ولكن من دون روح، فلا حرية منتجة ولا نقاش مثير للنقد الفكري ولا انتشار الا للطائفية والتخوين.

رحل السيتي كافيه كما رحل الآخرون من قبله، رحلوا وبقيت بيروت، و”ألهة” اليوم سوف ترحل يوماً ما وستبقى بيروت قائمة ومتغيّرة عسى ألاّ يكون املنا بتغيير الواقع الحالي فقط من خلال “تسونامي” ينقضّ على أصنام المدينة ليدمّرها.

Advertisements

Posted on 9 أغسطس, 2011, in Uncategorized and tagged , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: