الحرية تحت نعال الجلادين

هي سوريا، الربع الخالي الباحث عن سحب حريته الماطرة. هي سوريا التي أصابها القحط السياسي والتحنيط الفكري منذ أربعين عاماً وما زال. هي أرض سوريا التي تشققت، فالشهادة لم ترو تلك الأرض منذ زمن، منذ سلّم الأسد “الكبير” سلاحه ضد الاسرائيليين بعد العام 1973. مع أن دماء الآلاف من المعذبين والمعتقلين السياسيين السوريين واللبنانيين والاردنيين والفلسطنيين والعراقيين والأكراد…. وغيرهم سالت في معتقلات ودهاليز السجون السياسية، لم تكن تلك الدماء البريئة كافية لكسر جدار العزلة عن تلك الارض العطشى، أصواتهم المنادية من قلب المعتقل الى خواء الصحراء لعل الرمال تنقل أنينهم الى من يجيب، أو لعل الهواء ينشر رائحة عفن الزنزانات التي يعيشون فيها ويلتقط أحدهم في الخارج رائحة الحرية التي تخرج من أنفاسهم العليلة بعد أن كمّت السلطة أفواههم اعينهم وأفكارهم وقطعت كل سبيل للتواصل مع العالم فينقل رجاؤهم الى أهاليهم، وعتبهم على حقوق الانسان ومؤسساته، ولوعتهم من رؤساء ودول تعهدت الحفاظ على مواطنيها  ، فأصبحوا صورة على جدار، ذكرى في خيال، رقم في لوائح رُتّبت على عجل لمسح أيدٍ من جريمة ضد الانسانية مستمرة كل يوم. (تحية للمعتقلين والمفقودين في السجون السورية)
هي سوريا التي سئمت الخنوع والركوع، يقوم أهلها بما يجب، الارض عطشى والدماء كثيرة. الارض عطشى والامل ضعيف، ما دام الحال كذلك لن يغني الذل ولن تسمن التبعية. انتفض بعضهم بالعلن، والآخرون بالسر والبعض ما زال يأبى فك قيود الارتهان، فعل الاسر المستمر يحوّل الانسان من فاقد للحرية الى تابع لجلاده لا يعرف العيش بدونه، انه تمظهر الضحية بمظهر الجلاد….. ثاروا وقاموا ونادوا بالخطيئة الأصلية، الحرية. قالوها علناً، الشعب يريد الحرية. لم يحتمل الأسد، فتلك الكلمة أقسى وأشد عليه من وابل الرصاص ومن هدير الدبابات. لكلمة الحرية في الشعوب فعل لا يقوى سلاح عليه ولا يقوى ظلم على كمّه في صدور المطالبين به. كرة ثلج تدور وتسير، مظاهرات تطالب بالحرية، وقمع يردّ بالنار والرصاص، فلا المظاهرات تتوقّف بل تكبر وتزيد، ولا النار تنطفئ بل تقسى وترغي عهراً. وهكذا أرض سوريا ترتوي يوماً بعد يومٍ من دماء الحرية وبقعة الدماء تكبر وتكبر. هذه هي لعنة الأرض، الاّ تتطلّع اليها وترويها بالدماء تقوم هي بلفظك من التاريخ ومن الوجود. واذا سقيتها دم الشباب والشيب الحر تلقّفتها بسعادة وحوّلت شقاء أهلها الى ياسمين دمشقي يغسل الهواء من فساد المتسلّطين، شقائق النعمان تعيد للأسطورة الكنعانية القديمة ألقها.
وآخر بطولات الشعب الحر في سوريا في ذلك المركز الأمني حيث يقاوم الأمنيون الارهاب وأهله…. رجل امن يحمل الرشاش بيد والعصا (الفلقة) بيد أخرى وآخر يصوّر المشهد “للتاريخ”. والارهابي ويا للعجب لم يكن ملتحٍ ولا مزنّر بالحزام الناسف ولا بالرشاشات التي تصوّرها قنوات السلطة (وهي بالمناسبة بواريد صيد). لم يكن الارهابي “فحلاً” يخيف الامن فيجبرهم على استعمال السلاح…. لسخرية القدر كان الارهابي شاباً لا يزيد عن العشرين… جريمته أن الحرية تملّكت منه فأصبح عبدها. جريمته أنه طالب بالتغيير، وكيف يطالب بذلك والسيدة شعبان تسيّر مؤتمرات الحوار النفاق الوطني…. كيف تجرّأ وتفوّه بكلمة ترتبط بالحرية والتغيير بأي ارتباط…. لذلك صدر الحكم عليه من محكمة الميدان: اجباره على الكفر بالحرية… والطريقة التنفيذ، كافة الوسائل غير المشروعة… اسرائيل ليست أفضل من النظام… العقوبة الاضافية، تصوير الحكم ليكون المحكوم عبرة لغيره…. وهكذا بدأ التنفيذ بالضرب الشتم والاهانة وازالة كل شعور بإنسانية مفقودة لدى الضحية. والجلاد ينفّذ وهو يظن ان الصورة ستجلب له الترقية والتهنئة. وبالمناسبة فالجلاد يعبد الرئيس، “مين ربّك ولا؟” فهو ربّه الاسد وهو باب الجنة وميزان العدل والمهدي المنتظر. ولا يأتي المسيح الا بعدما تخرب الارض على أهلها. لذلك لا بد من تعجيل الخراب لكي يأتي المنتظر (الاسد) ويطلق العدل على الارض (السورية على الاقل). ويتابَع التنفيذ والضرب والشتم على الارهابي “اللئيم” المجرّد من كل دفاع والحر حتى الصميم وهو في حريته أقوى من جلاديه ومن أسيادهم. وتأتي تلك اللحظة حيث تكون الحرية تحت أنعال الجلاد ولا يقوى ان يمسّها بجرح، حينما يأتي الامني بصورة الله (الاسد جل جلاله) ويطلب من “المجرم” التكفير عن خيانته بأن يبوس الصورة….. وكأني بفعل التقبيل من ركائز الدين لدى صاحبنا…. تنتفض الحرية من رأس الشاب ومن دمائه ومن صميمه وحين يضع الامني صورة ربّه لتقبيلها يقوم الشاب بممارسة فعل الحرية بأشد الممارسات قسوة للرب المعبود والجلاد المجلود…. بلحظة يبصق الشاب على الصورة وتاريخ صاحبها ومن ورائها على الجلادين ويستهزئ بمحاولاتهم ويقولها صريحة، “أنا انسان حر ولن أعود للزنزانة” أو بطريقة أخرى “هيهات منّا الذلة” …..

سوريا ربيعك قريب ولكنه صعب ومرير ومحزن، ولكنها الحياة التي تفرض أحكامها على الجميع.  الالاف من المعتقلين يمارسون جريمة الحرية من زنازينهم ولو من غير ضجة، الملايين من السوريين يرتكبون جرم خيانة العبادة بالمطالبة بالحرية وملايين أخر ينتظرون ان تزول الغشاوة عن اعينهم…. والملايين من اللبنانيين والاردنيين والفلسطنيين والعراقيين والاكراد والخليجيين…. ممن ذاقوا مرارة نظام الاسد الفاسد والجائر ينتظرون ياسمين دمشق وأزهار رياضها المعلنة للحرية ولادتها، قاسيون أنهكه فعل العبادة واشتاق لهوى الحرية…. ان غداً لناظره قريب.

Advertisements

Posted on 16 سبتمبر, 2011, in سياسة and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: