بين التحرير و وول ستريت

لأول مرة منذ …. منذ زمن ابن رشد، يكون للفعل والفكر العربي تأثير على الصعيد العالمي، الضمير والانسانية. لأول مرة يصدّر العرب غير الدكتاتورية والتعنّت. هذه المرّة لا يتناول الاعلام الغربي والعالمي الشارع العربي من منطلق عدائي، ولا يتناوله بردّات فعله فقط. بل بتصويره على حقيقته: شعب مسحوق انتفض وقام وثار وعلّم كل العالم كيف تكون الثورة سلمية….
تفاجأ العالم حين قامت المظاهرات التونسية ولم تقعد وكان هدفها واضح: اسقاط رأس النظام، وكان لها ما أرادت… وكرّت السبحة، مصر أم الدنيا، ونزلت الجموع ،كان السؤال: هل يسقط الفرعون المترهّل؟ وسقط الفرعون…. ولكن لم يسقط النظام، وما زالت القاهرة في ميدان التحرير. فكانت التسمية الرسمية: الربيع العربي… وتأزّمت المخارج وسالت الدماء… الجزائر، المغرب، ليبيا، اليمن، البحرين، سوريا، الاردن، العراق… دول لم يوفّرها الربيع من نسماته الدافئة التي تتفتّح فيها أزهار الياسمين الطريّة. وانتقل العرب والشباب العربي بأقل من سنة من مشاهد للعالم يسير وهو ينتظره على قارعة الطريق، الى نجم الاضواء المطلق الى حد جعل العالم يتابع ويلحق بهذا الشعب الجبار مندهشاً.

من مخلّفات ما جرى وما يجري في الربيع العربي هو ما يحدث من تداعيات نتيجة لهذا الربيع في خارج الاراضي العربية… سجّل معي: فنزويلا، ايران، الصين، اوروبا بالعديد من دولها… المملكة المتحدة، والاهم…. الولايات المتحدة…. ومن هنا البداية…

روّجت الولايات المتحدة منذ هزيمة المعسكر الشيوعي لنظرية سيطرة الرآسمالية و سقوط الشيوعية، بالتالي أي شكل من أشكال التوجيه الرسمي للنشاط الاقتصادي. وظهرت أيضاً نظرية صدام الحضارات وما رافقها من تنظير فكري لتفوّق الغرب وتطبيق عناصر هذه النظرية في العلاقة بين الغرب “المتحضّر” وبين الشرق الملتحي المتأسلم الارهابي على حد تعبيره. عند هذا الحد كان العالم مقتنعاً ان النظام العالمي الجديد قد أرسى ركائزه وان الوقت الحالي هو لتعميم الصورة الرأسمالية الاستهلاكية في العالم الجديد. واستسلم العالم باستثناء البعض من أصحاب النظريات الذين أصرّوا على اعتبار المرحلة مخاض لا بد ان يتأتّى عنه نظام هجين… ومنذ انهيار النظام الشيوعي وحتى اليوم تسارعت الاحداث: من حرب الخليج الثانية أو عاصفة الصحراء التي أمّنت السيطرة المطلقة السياسية والعسكرية والمالية للعم سام، الى معركة دخول العراق العام ٢٠٠٣ وسيطرة الاميركي لوحده على الارض العراقية وما تبعها من انحسار مادي ومعنوي للقوة الاميركية على الارض وتفلّت اسلامي ارهابي، مقابل صعود الروسية الجديدة بقيادة القيصر الروسي المتردّد خارجياً، بوتين. والانطلاقة الصاروخية الاقتصادية للصين الصناعية، القوة الاقتصادية الاهم… دخل العم سام على العام ٢٠١١ مثقل بالجراح الافغانية والعراقية بالاخص ويعاني التهابات مزمنة في الحركة جعلته مقعد، بالاضافة الى تداعيات السقوط المدوي للنظام الرأسمالي بعد الانهيار الكبير للاسهم العام ٢٠٠٨ وما تبعه من تدخّل من الخزينة الاميركية ودافعي الضرائب لانقاذ كبريات الشركات المالية المضاربة والزلازل الارتدادية التي أصابت العالم من اقصاه الى اقصاه وجمّدت النمو العالمي.
وفي هذا الخضمّ أشعل البوعزيزي النار في نفسه عن قصد أو غير قصد احتجاجاً على الظلم وانعدام الافق الاقتصادي، مشعلاً الثورة التونسية ومعها الربيع العربي الذي أهم أسبابه: انعدام العدالة الاجتماعية، انعدام الفرص للشباب المتعلّم، انعدام الأمل للملايين من الاسر التي لا تحسّن دخلها… وتمدّد الربيع وأصاب صقيع أوروبا اذ انقشع الضباب عن لندن على مظاهرات عنيفة تطالب بالعدالة وتأمين الفرص اللعاطلين عن العمل.
،منذ فترة قصيرة انتشرت حملة “سوف نقوم باحتلال الوول ستريت #occupyWallStreet” وبنفس الوسائل الالكترونية التويترية والفايسبوكية انطلقوا ليشكلوا التهديد الاول والاكبر لسلطة الولايات المتحدة وهيمنة شارع المال على سياسات البيت الابيض. ولعل أبرز الشعارات هو واحد: واحد بالمئة تملك ٩٦٪ من مقدرات البلد…. ،الدعوة هي لتصحيح الحال.

دقيقة لمراجعة الشعارات: هناك في الولايات المتحدة من يروّج لشعارات شيوعية وتنادي بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا بذاته  … جميل

في العقدين الاخيرين راحت السلطات المتعاقبة في الولايات المتحدة الاميريكة تروّج لفكرة الصراع الحضاري والهوّة الثقافية بين الغرب والشرق، الشمال والجنوب حتى ان العالم صدّق الخبرية وعاشها بحذافيرها كما أرادت الانستيتيوت الاميركية المرموقة…. وكأني بهذه السلطة نسيت ان الاقتصاد هو عصب السياسة والحياة والتطوّر…. ومهما تواجهت الايديوليجيات فلن تتمكّن من المواجهة بجيوب فارغة وشباب عاطل عن العمل وبنوك لا تستخدم رساملها.

في العام ٢٠١١ تتغيّر القواعد: فمن “هم ونحن” بالاشارة الى الفارق العرقي والديني…. الى “هم ونحن” بالاشارة الى من هم يتمتّعون بال ٩٦٪ على حساب الشعب العامل. والثورة هذه المرّة داخل الاراضي الاميركية…. فهل تتحقّق نبوءة كارل ماركس؟
بالاضافة الى ما سبق، لا بد من ذكر ما حصل في شوارع لندن والعديد من المدن الانكليزية حيث قامت المظاهرات الصاخبة ولم تقعد مطالبة بالتصحيح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وقد خرجت عن سلميّتها ما أدى الى أضرار سلبية.

العالم يتغيّر والامور تسير في منحى تصاعدي، والارقام الاقتصادية العالمية لا تبشّر بخير، فهل تكون الحركات الشبابية الحالية مجرّد رد فعل على ضائقة مادية وانعدام فرص العمل، أم أن الامر فيه تموضع اجتماعي-اقتصادي يؤسس لمرحلة جديدة يكون عمادها “التصحيح الرأسمالي”؟
من احتلال وول ستريت الى المظاهرات العالمية في أكثر من ٧٠٠ مدينة كلها في الشمال والغرب الغني…. فلننتظر نراقب ونرى.

Advertisements

Posted on 16 أكتوبر, 2011, in هموم حياتية and tagged , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: