النظام السوري والانتداب الفرنسي

تدخل اليوم الثورة السورية مرحلة جديدة وحاسمة مع بلوغها السنة الاولى، ورغم ما يجري على أرض الواقع من انتهاكات لحقوق الانسان لكي لا نقول ابادات جماعية لكل معارض، فإن هذه الثورة ما زالت تتجرأ على ارتكاب أكبر جرم في عرف الانظمة الدكتاتورية، اي التعبير عن الرأي السياسي الحر

في مراجعة لمراحل الثورة السورية خلال العام الفائت  يتضح  بشكل واضح كيف ان النظام ومنذ اليوم الاول لاندلاع المظاهرات/المواجهات لاحقاً، قام بحشر المعارضة وترهيبها واتهامها بشتى الاتهامات من التسليح الى العمالة الى ضرب الوحدة الوطنية وأسلمة البلاد، تهما المعارضة منها براء كما تدحضها الفيديوهات الآتية من الداخل.  وكان واضحا ان المعارضة كانت تشمل اكثر من منطقة وملة واهم شيء انها كانت سلمية ،  وفيديوهات  الناشطين التي بثت للعالم حقيقة سلمية المظاهرات، فالاعتصامات كانت تقام بالساحات العامة وكان المعتصمون ينشدون الاهازيج الوطنية….حتى شعار اسقاط النظام لم يكن وارداً وهذه ظاهرة لا بد من التوقف عندها، فبعض المعتصمين كان يريد العدالة ولقمة العيش والكرامة بعيدا عن البعث والمخابرات. ورغم تلك الحقائق كان النظام يتهم كل معارضيه بالعمالة وكان فاعلاً في ترهيبهم من خلال الاعتقال والضرب والتهديد وظاهرة “الشبيحة” اي  “البلطجية” في

الجانب المصري …. وكان ابطال تلك المرحلة من دون منازع ناشطو الانترنت الذين تحدوا التعتيم الاعلامي والقمع اليومي وقاموا بالمخاطرة كما يتبيّن من المقاطع المنشورة على الانترنت وهم بذلك ساهموا بتبديد صورة المعارضة المسلحة او الارهابية

ومرت فترة غير وجيزة كان النظام يتهم  معارضيه بالتسلح ودليله بعض الاسلحة المصادرة هنا وهناك التي ادخلت الثورة السورية النزاع المسلح من خلال انتفاض العديد من عناصر وضباط الجيش السوري الذين اعلنوا قيام الجيش السوري الحر ، وهنا ايضاً لا بد من الاشارة الى ان قيام هذه الظاهرة جاء كرد فعل على ما قامت به قوات النظام والشبيحة في درعا والحدود التركية ومنطقة حماه من مظاهر مسلحة  و”تطهير” لتلك المناطق” من “المخربين”؛ عزيزي القارئ لاحظ التشابه اللفظي بين النظام السوري ونظام الاحتلال الصهيوني الذي بذريعة ابعاد المخربين دخل لبنان العام ١٩٨٢ وارتكب مجازر صبرا وشاتيلا واقام معسكرات الاعتقال….  وامام الاصرار الداخلي على المطالبة بالحقوق الاساسية للمواطن، واصرار النظام على القمع الدموي ليكون القتيل عبرة لمن اعتبر، كان العالم – او مهزلة اسمها المجتمع الدولي – يراجع حساباته السياسية والعملانية في سوريا والمنطقة بحساب البيدر والقطاف

تركيا أعلنت بوضوح نيتها التغييرية في سوريا والدفع نحو اسقاط النظام داخليا من خلال العمل على توحيد المعارضات وتقديم “الشورى” وما بعدها لتجمع المعارضة. وهي دخلت في عداوة مع النظام رغم مشاعر الحب الفائضة التي كان الطرفين يتبادلانها

ايران هي ببساطة الحليف الدولي الاول الذي اعلن جهاراً انه لن يسمح بسقوط النظام….لأسباب لا علاقة لها بالنظام او بسوريا ولكن الامر يتعلق بامدادات لمقاومة وبدور ايران الاقليمي المتصاعد، وبالتأكيد العين على النووي الايراني والتحالف الدولي – وسوريا هنا بيدق على طاولة المساومات السياسية الدولية – الذي يعيد لفارس أمجادها  بحسب مرشدها وأركانها

اسرائيل وهي اللاعب الخفي الذي يصرّح علانية بضرورة قلب النظام ، اما من تحت الطاولة  تقوم اسرائيل بالدفاع المستميت عن النظام السوري . فالوقائع تشهد للنظام وتبرر دعم اسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة له؛  مع العلم ان سوريا لم توقع معاهدة سلام مع الكيان الاسرائيلي، الا ان الحدود المستركة بين البلدين بقيت صامتة منذ العام ١٩٧٣، حرب تشرين وحتى اليوم  من غير ان يطرأ اي تعديل على الواقع هناك . ورغم ان النظام السوري اكتسب تاريخياً شهرته من كونه “قلعة الممانعة” العربية، فإن الواقع يبيّن رسائل سرية بين الطرفين وتلاقي مصالح. لذلك فالبعض يعيد التشرذم الدولي الحاصل اليوم الى الموقف الاسرائيلي الداعم للأسد خوفاً من “البعبع” الاسلامي

الجامعة العربية، هنا مرة جديدة تثبت الجامعة العربية للعالم أجمع انه مخلوق عجيب لا يفعل ولا يتحرك ولا يقوى، غير ان ملكة التكلّم لا تنقص أعضاؤه  الذين ملؤوا الشاشات تهديداً وترغيبا… ووضعوا الخط والمخارج للاسد لكي يعتمد أحدها ويوفر على نفسه وعلى بلده الدمار، ولكن الاخير أبى اذ كيف يعقل ان الجامعة العربية التي لا تفعل صارت اليوم في موقع الفاعل والمبادر؟؟؟ وهنا لا بد من اعطاء التهنئة لأرباب الجامعة الذي يمكن القول انهم صارت لهم خبرتهم في تغيير الانظمة وقلبها… وهذا كله يقف عند درع الجزيرة تلك الاداة الامنية الفاعلة

روسيا التي لم تقرر بعد في اي صف هي، فمع العرب تتعامل معنا وكأنها روسيا الحمراء صاحبة القوى العظمى والتي لن تترك مظلومي العالم تحت رحمة الرأسمالية. اما مع اسرائيل، روسيا هي الحليف الجديد الذي يخطب ود الدولة العبرية  ويعلن يوميا أمله في تحالف استراتيجي مع الكيان الصهيوني. اما مع الغرب ورغم وجود اشخاص كفوئين في سدة الخارجية غير ان التضعضع والتردد والتراجع كلها تشكل سمة السياسة الروسية الخارجية التي تتخلّف يوماً بعد يوم عن المبادرة بل تعيش في سياسة رد الفعل فقط، اقلّها حتى اليوم

الصين صاحبة الاقتصاد الاقوى والتي تبحث عن منابع التفط بنهم متزايد وتريد من الآن وصاعدا دورا في العالم وقسمة في الجبنة ولو ثانوية، فطموحات الصين التويعية تاريخياً ضعيفة بالمقارنة مع اوروبا واميركا

اما اوروبا  والولايات المتحدة فهي تريد ولا تريد، اي انها تعودت الاسد ودائما ما كان يقايضها بما هي تحتاج اليه؛ من لبنان الى العراق وفلسطين والاردن ،اوراق اخرى نجح النظام السوري ببنائها والمقايضة فيما بينها حسب ما تقتضيه الحاجة. لذلك فالتلبّك وتنازع المسؤوليات واضح في التصاريح والتقارير

خريطة تقسيم سوريا من قبل الانتداب الفرنسي (http://ar.wikipedia.org)

هكذا وبعد تأمين الجبهات الخارجية المفتوحة على النظام السوري من خلال المظلة الصينية الروسية ،الايرانية في المنطقة ،  انتهج النظام في الداخل سياسة الارهاب والنار؛ فمن خلال سياسة الارهاب استرجع النظام سياسات الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان لكي يضرب قوة المعارضة ويفرّقها.  من المعروف ان فرنسا انتدبت سوريا ولبنان منذ العام ١٩١٨ وحتى العام ١٩٤٦. و

منذ دخولها الارض السورية واجهت القوة المحتلة ثورات متنقلة مطالبة بالوحدة العربية واستقلال سوريا.. امام هذه الثورات قامت فرنسا  بتقسيم الوطن السوري الى خمسة دويلات: الاسكندرونة ودولة العلويين في الغرب، دولة حلب في الشمال، دولة دمشق في الوسط ودولة جبل الدروز في الجنوب. وكانت بساطة التقسيم انه جرى بطريقة طائفية آو عرقية؛ فدواة العلويين وجبل الدروز تضم تلك الاقليتين، دولة حلب تضم الاقليات الكردية والمسيحية وغيرها، الاسكندرونة تم احتلاله نهائيا من قبل تركيا في العام ١٩٣٢. ورغم ذلك التقسيم كان الوعي السوري أكبر وأهم اذ ان مكونات الشعب السوري رفضت التقسيم وقامت الثورات من السويداء الى دمشق وحلب والساحل السوري رفضاً للتقسيم. وكان لها ما أرادت اذ أعيد توحيد الوطن السوري

.

اما اليوم فقد نبش النظام الخريطة أعلاه وقام بتنفيذها بحذافيرها؛ دق نفور التمذهب مع اطلاق الحملات التي تصف المعارضة  بالسنية والاخوانية وانها ستحكم الآخرين بفوقية وتحجر ما بعدهما فوقية وتحجر. وفجأة خوى الصوت المسيحي المعارض من الشارع، بقي المثقف المسيحي على موقفه الداعم. كما ان النظام حاول استمالة الاكراد من خلال اعطاد الاكراد السوريين الهوية السورية بعدما عانوا الامرّين من النظام ومن انتهاكاته لأكثر من أربعين عاماً. اما الدروز فتم استمالتهم بواسطة سياسة الجزرة وتذكيرهم بآحداث سهل حوران منذ بضعة سنين حيث تقاتلوا مع البدو، واكثر من ذلك قام النظام بتوزيع السلاح عليهم، فقامت العقلية الاقلوية لدى الدروز ببث الدعايات ان العلوي أقرب من السني أو ان السني عدو الدرزي …. اما المسيحي فخاف امكان تهجيره الى لبنان من قبل اركان “الامارة الاسلامية” القادمة من حمص وادلب ودرعا… وقد تناست الاقليات كلها بطش النظام عليها وتدمير اركانها السياسية والاقتصادية والفكرية مما جعلها في قحط

امام الارهاب الممارس على مكونات الوطن السوري قامت قوات النظام وتقوم كل يوم بتدمير وتطهير المناطق السورية مما تسميهم بالارهابيين، على ان كل ما ترصده الكاميرات هي أشلاء الجثث العائدة للنستء والاطفال والكهلة ، اما الشباب فإما ان النظام كان قد حبسهم ونكّل بهم  او انه قتلهم ودفنهم جماعة في المجهول…. والمسلسل يستمر

عرف النظام حتى اليوم  كيف يلعب ورقة الاقليات ببراعة ، ومن مراجعة التاريخ في سوريا انتفض الشعب على محاولات التقسيم الاقلّوية التي استهدفت الكيان السوري، فهل ستصمد سياسة الاسد ام ان الشعب السوري كله سيصير ارهابياً ؟؟

صورة الشهيد سويف العظمة وزير الدفاع آنذاك والذي استشهد اثناء مقاومة الفرنسيين العام ١٩٢٠ (http://www.ajeal.net)

Advertisements

Posted on 13 مارس, 2012, in Uncategorized, سياسة and tagged , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: