في تداعيات الفيلم المسيء للرسول

براءة المسلمين….. عنوان لفيلم اميركي أصبح عنواناً لموجة جديدة من تدمير خارجي وداخلي ضد المسلمين

لنترك قليلاً ما دار ويدور من ردات فعل شوارعية جاهلية وغير محسوبة (أو ربما محسوبة) تستهدف سفارات الولايات المتحدة الاميركية في العالم “الاسلامي”، وانضمت فرنسا مؤخراً الى لائحة الدول المهددة بعد نشر مجلة فرنسية ساخرة غير معروفة صور كاريكاتيرية للرسول، لتسجيل الملاحظات التالية بعد مشاهدته عبر الانترنت:

اولاً: ان الفيلم قد تم انتاجه وإخراجه من قبل رجل مصري مسيحي قبطي، ادّعى عند الاتصال به من قبل بعض الاعلام الاميركي أنّه اسرائيلي يهودي. أي ان المخرج من ذلك المجتمع الذي تعايشت فيه المجموعة الاسلامية والمسيحية وبالتالي فإنه يعلم ان المجموعات الدينية في المنطقة تعيش بانفتاح نسبي بين بعضها منذ زمن طويل، وبالتالي فإن ما أنتجه لا يشكل تفكيراً عمومياً لدى المجموعة التي ينتمي لها كما يحلو لبعض المتطرّفين الدعوة والترويج له، من دون إسقاط فكرة ان التطرّف موجود وبأشكال بشعة جداً لدى كل المجموعات

ثانياً: ان الفيلم قد تمّ انتاجه العام ٢٠١١ حيث تم عرضه مرة واحدة وكان الحضور لا يتجاوز أكثر من عشرة أشخاص…. والنسخة الاساسية التي كانت تتناول أسامة بن لادن تم تعديلها اذ تمّت إعادة منتجة كلام الممثلين فيه من دون موافقة الممثلين، بشكل واضح ولا يحتاج لأي حرفية أو مهنية لإثباته باستخدام عبارات مهينة مبتذلة، ومعلومات لا أساس تاريخي أو واقعي لها، كلّ ما فيها انها تتعمّد تعميم صورة نمطية معيّنة عن المسلمين

ثالثاً: ان المستوى المهني والحرفي للفيلم  فاشل بشكل فظيع؛ لست بناقد محترف ولكن ما كنت أعطيت أكثر من عشر ثوان للفيلم كي أقرّر إيقافه… من ناحية فنية ومهنيّة إن كل ما في الفيلم إهانة للمشاهد وللحسّ الفني والجمالي لديه

من المظاهر المصاحبة للمظاهرات المنددة بالفيلم المسيء للرسول: حرق العلم الاميركي (albayan.co.uk)

هذا من الناحية التقنية والتحليلية للفيلم الذي أقام الدنيا ولم يقعدها، اما من ناحية مضمون الفيلم فالحديث يبدأ وقد لا ينتهي؛ ان منطقة المشرق العربي ومصر شهدت نشوء الديانات الثلاث الكبرى في العالم وعلى أرضها كتب التاريخ صفحاته منذ اختراع الكلمة وحتى يومنا الحاضر. وعلى امتداد أكثر من ألف وخمسماية عام – أي منذ دخول الاسلام الى المنطقة – تعايش أهل المنطقة بشكل سلمي نسبياً تبعاً لظروف الحياة وموازين القوى الخارجية والداخلية. وقد وجد أشخاص وجماعات صغيرة متطرفة دعت الى إيجاد كيانات مستقلة أو حتى الى القضاء على العناصر الاخرى المكوّنة لهذا النسيج التاريخي. وقد نجحت الاكثريات كما المنطق بتحجيم تلك الظواهر

الهجوم على المطاعم الاميركية خلال تظاهرات طرابلس – لبنان (maktoob.news.yahoo)

من هنا يأتي السياق العام للفيلم من خلال عملية الانتاج والتحوير التي صنعها المخرج والتي يبدو من خلالها اتجاه معيّن لتحويل الاحداث باتجاه أكبر نحو تدعيم الاصولية الاسلامية – كما المسيحية وأو القبطية – وتغذيتها بالعصبية الدينية التي تلغي العقل والمنطق. هذا بالاضافة الى تحريك الرأي العام العالمي والمؤسسات الغربية بصورة مستمرة ومتجددة باتجاه الخوف والحذر من تداعيات “النهضة العربية” منذ العام ٢٠١٠. من خلال تسمية الشرطة المصرية ب”الشرطة المصرية المسلمة” أو من خلال ربط المسلمين بالارهاب والتخلّف… وتصويرهم على شاكلة المقاتلين الافغان والطالبان، وهنا تظهر النوايا من خلال إخافة وترهيب الرأي العام القبطي في مصر وتغذية الافكار المتعصّبة التي يروّج لها البعض

كل ماسبق يشير الى عملية مبرمجة وممنهجة من البعض – أشخاص أو مؤسسات – لإشاعة الصور النمطية للمسلم الارهابي، كما ظهرت أيضاً بشكل متعمّد أو غير متعمّد في المظاهرات المنددة بالفيلم،  والمظاهر والارتكابات المشينة فيها. لذلك لا يمكن الحديث بأي شكل من الاشكال عن “حرية تعبير” أو “حقوق إنسان” أو حرية فردية، فالفيلم يفيض ارتكابات جرمية في القوانين الوضعية جميعها
إذا كانت القوانين الوضعية قد جرّمت هكذا أعمال، لم لا تقوم المؤسسات أو الافراد الغيّورين على الاسلام والدين بسلوك الطرق القضائية المختصة؟ وبدل من هذا الاسلوب، قامت المظاهرات الشعبوية والشعبية في مختلف المدن المسلمة تنديداً بما حصل من إساءة والكل يعلم ما حدث من قتل وتدمير…إذا كان مخرج ومنتج الفيلم أميركي أو فرنسي فما ذنب السفارة الاميركية أو الفرنسية؟؟؟

سيخرج اليوم وغداً – كما خرج بعد أحداث ١١ سبتمبر – في الشارع الاميركي من يقول “ما ذنبنا نحن؟” فهل من يستطيع أن يجيب من العلماء المسلمين الذين افتوا بالتظاهر “السلمي” أو “من دون تدمير للممتلكات” ؟ فهل هناك من يستطيع ان يقنع آخر بأن معركة “المحافظة على كرامة الرسول” تكون من خلال إحراق العلم الاميركي؟؟؟ أو من خلال قتل الاميركي ولو لم يكن يعلم أصلاً ان هناك فيلم يسيء للرسول؟؟

لقد نجح ما رمى إليه من سوّق الفيلم من خلال إبراز تداعياته الى العلن… وبدل ان يسأل الاميركيون: “لماذا يكرهنا المسلمون؟” ليطرح المسلكون ولنطرح كلنا السؤال: “لماذا يكرهنا الاميركيون؟”  “لماذا أصبح الحجاب رديفاً للارهاب؟ ولماذا أصبح العرب كلهم ارهابيين حتى ثبوت العكس؟؟”
أزمة الفكر الاسلامي أنّه لم ولا يتخطى أطر الفتاوى الشرعية وخطب الجمعة الشعبوية والتي تساهم في تدمير القيم الانسانية فيه، وبدل العالجة الصحيحة التي تحفظ للمجموعات الاسلامية حقوقها الانسانية والقانونية، يمكنني القول ان الهمجية الشوارعية ستستمرّ والى اللقاء في يوم آخر حيث يقوم أحد الطامحين لنيل شهرة سريعة واستثنائية بإنتاج أومتابة أو نشر مواد قد تستفزّ مشاعر المسلمين وسيكون الرد بحرق الاعلام والسفارات

بعض الشعارات المصاحبة للتظاهرات (masrawy.com)

Advertisements

Posted on 22 سبتمبر, 2012, in حقوق انسان, دينيات, سياسة and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: