الحقيقة لدى ميشال سورا. مراجعة لكتاب: سوريا، الدولة المتوحّشة 2

عن الاستبداد السوري اليوم

تتفاوت كل يوم درجة الاهتمام والمتابعة العامة بالموضوع السوري، اذ تزداد سخونته أو تخبو حسب الاجواء الدولية العامة، التي جعلت من سوريا موضوع بحث وجدال على موائد الامم من القاهرة الى أنقرة وطهران وما خلفهما الى موسكو، باريس وأميركا بعدما كان النظام صاحب أوراق يستطيع من خلالها التواجد على الطاولات المذكورة

ومتابعةً في الموضوع السوري،  نتابع القراءة في كتاب المفكر الفرنسي ميشال سورا مع الاشارة مجدداً الى ان الكتاب المذكور هو عبارة عن مقالات كتبها ميشال سورا في الصحافة الباريسية في ثمانينيات القرن الماضي خلال الازمة السورية حينها

ينطلق الكاتب  في تحليل المجتمع السوري وتناقضاته التي تلاعب عليها وبها النظام الحاكم من أجل إحكام سيطرته على الدولة وقمع التظاهرات والانتفاضات السورية (سواء في الثمانينات أو الانتفاضة الحاضرة). هذه التناقضات والاختلافات الاجتماعية يمكن تلخيصها بما يلي

١- الطائفية: يتميّز المجتمع السوري بتعدّد المذاهب والطوائف؛ نسبة الطائفة العلوية تبلغ ١٠ ٪ من مجموع الشعب السوري، بينما يبلغ نصيب السنة أكثر من ٧٠٪ . حسب ميشال سورا ينطلق النظام من مذهب حكّامه العلويين واعتبار هذه الطائفة جزءً من الدولة، أو بطريقة أصحّ، اعتبار الدولة جزء من هذه الطائفة. مثال على ذلك تأسيس جمعية “علي المرتضى” العلوية التي يديرها جميل الاسد، أحد أشقاء الرئيس السوري، بهدف ظاهري وهو العمل الخيري، غير ان لها هدف باطني وهو شد عصب الطائفة العلوية ولصقها بالنظام لتصبح الهوية الديني-سياسية للطائفة مرتبطة ارتباطاً كلّياً به. وانطلاقاً ممّا سبق، يقوم النظام بإثارة الغرائز العصبية والمذهبية لدى الطائفة العلوية؛ وكرد فعل طبيعي لدى المذاهب والطوائف الاخرى، تنتج عن تصرّفات النظام إثارة الغرائز في المكوّنات الاخرى للمجتمع السوري، وبالتالي تستحيل الدولة “مجموعة طوائف” تخاف بعضها البعض ويسهل للنظام الحاكم السيطرة عليها. إثباتاً لما يقوله يتناول الكاتب في مكان آخر تعريف المنظّر السياسي الالماني حنّا أرندت (Hannah Arendt) للإرهاب بوصفه انّه المكوّن الاساسي للسيطرة التوتاليتارية  ف” من خلال ضرب الناس ببعضهم والتفرقة بينهم بالنار والقوة تزول المساحات بينهم (وبين مكوّنات المجتمع الواحد) ومن هذا العنف تظهر السلطة الاستبدادية كحامية للحرّيات بين الناس” وبالتالي يكون للدولة حق الحياة او الموت على الفرد، أي لا حرّية له على الاطلاق أمام سلطتها. ويضيف أرندت ان العنف او الاستبداد لا يكونان هنا وسيلة لفرض السلطة وتعديل النظام السياسي، بل أنّهما وظيفة النظام السياسي القائم
لا بد من الاشارة الى ان ما قام به النظام العام ١٩٨٠، ما قبله  وما بعده من “تسييس” للطائفة (العلوية) نجح على مر السنين؛ فالاحداث الحالية شهدت انتفاضة من بعض النخب العلوية ضد النظام معتبرة الثورة الحاضرة ثورة وطنية، ما لبث الاخير ان قمعها إما بالقتل أو بالترهيب، غير ان الشارع العلوي (ومعه شوارع المذاهب الاقلّوية الاخرى) ما زال موهوماً من التغيير الحاصل ومأخوذاً ببروباغاندا النظام. بالاضافة الى ما سبق، يقوم النظام – عن خبرة طويلة – باضطهاد وقتل  معارضيه، مستخدماً أبشع الاساليب وأكثرها ستالينية؛ كما يقوم النظام بتصنيف العنف الموجّه ضده على طائفة واحدة وهي الاكثرية (السنة)، وبالتالي  ”تخويف” باقي الطوائف منها على أساس ان حكم الاكثرية السنية يعادل الدكتاتورية، فيتكوّن بالتالي تحالف “الاقليّات” أو تحالف “المتضرّرين” من الاكثرية، ما يؤدي الى شروخ عامودية حادة في المجتمع السوري تعطي النظام فرصة جديدة أخرى من أجل البقاء وتعزل هذه المكوّنات عن بعضها وبالتالي تتحلّل “الدولة” بمفهومها المدني الحديث وتحيا نظرية “العصبيات” الخلدونية

٢- الجيش: يأتي الكاتب هنا الى ممارسات النظام البعثي منذ العام ١٩٧٠ بإقصاء كل الوجوه المناوئة التي تشكّل تهديداً للسلطة العسكرية للنظام، بالاخص السنية منها (أحمد سويدان) أو علويّة (محمد عمران، مجموعة “العلي” منهم من أُبعد أو انضم للنظام مثل علي حيدر  وعلي دوبا) . حتى أتى العام ١٩٨٢ ولا يوجد في الجيش السوري أية قيادات قادرة على تهديد السلطان البعثي العلوي . وتغيّرت وظيفة الجيش هنا من دعامة للدولة المدنية الحديثة، الى دعامة لهيمنة الطائفة العلوية على النظام والدول. من خلال استخدام النظام للورقة الفلسطينية بابتزاز دول الخليج والمساعدات المالية السنوية لسوريا التي خصّصوها “لدعم القضية الفلسطينية” فاستفاد منها الجيش لأجل تعزيز استقلاليته وقوّته ضمن السلطة من أجل تأمين حمايتها
بالمقارنة مع الواقع الحالي، لاحظ مدى نجاح خطة الاسد في اللعب على التناقضات وضمان ولاء قادة الجيش للنظام وشخص الرئيس السوري، وبالتالي بقائه قوة الدفاع الاولى والاخيرة للنظام بوجه معارضيه – وليس اسرائيل – وقد تبدّى ذلك من خلال قدرة النظام والجيش على الخروج من الانفجار الشهير للقيادة العسكرية (خلية الازمة) في منتصف العام ٢٠١٢  والتي راح ضحيّتها قادة الاجهزة الامنية في الجيش السوري. كما لاحظ التقارير العديدة التي تتحدّث عن أن العامود الفقري للفرق المقاتلة في الجيش السوري -بالاخص الحرس الجمهوري بقيادة ماهر الاسد- تتشكّل من العلويين والدروز ولا وجود للعنصر السني أو الكردي فيها بطبيعة الحال

٣- المدينة: تناول الكاتب هنا الاعمال “السلمية والمدنيّة” التي قامت في المدن السورية خلال أربع سنوات من الاحداث (١٩٧٨-١٩٨٢) والتي شملت الاضرابات واعتصامات التجار في دمشق وحلب، بالاضافة الى المظاهرات التي قادتها النقابات العمالية والحرة والقيادات من صفوف المحامين والمهندسين والاطباء ليستنتج بأن المعارضة السورية للنظام تمركزت في الاوساط المدينية القائمة منذ مئات السنين على عكس الارياف التي لم تتحرّك في الدفاع عن النظام الا انطلاقاً من العصبية المذهبية والدينية التي تحرّكها. استحضر الكاتب هنا ابن خلدون في تعريفه للمدينة؛ يعرّف ابن خلدون المدينة على انها مركز الحضارة التي تنتج الدولة والعلوم والاقتصاد وغيرها من مظاهر الدول، متقدّمة بذلك على “البداوة” أو “الريف” الذي عرّفه على انّه ما قبل الحضارة والذي تسوده “العصبيات” وعنصر البداوة من اعتماد على الزراعة والارض من أجل الاستمرار. فالمدينة اذاً هي شكل متعارض عضوياً مع العصبية التي تتّخذ من “الدعوة” أي الدين او المذهب او القومية دعائم لها.  يشير الكاتب من ناحية أخرى الى ان حزب البعث – كما بعض الاحزاب السياسية- فشلت في تشكيل مراكز الثقل لها في “المدينة” التي لم تفتح أبوابها “لأهل الريف” بل رفضتهم. لذلك كانت “القومية” و “العروبة”، شعارات انقلاب العام ١٩٦٣ الذي قام به حزب البعث كما الحركة التصحيحية لاحقاً في العام ١٩٧٠ هي التي أتت بالمجتمع الريفي الى قلب السلطة في المدينة ، وإنشاء طبقة “مدينية” رديفة – جلّها من العلويين والدروز والاسماعيليين –  نزحت من الريف واستفادت من الحزب (اي البعث) والجيش ل”تتمدّن” وتشكل رديفاً جدّياً للمدينية التقليدية التي أتى ردّها على مظاهر “تمدّن الريفيين” خلال الاحداث الاخيرة عبر استحضار العصبية – “الدعوة” أي المذهب السنّي- من أجل استنهاض الاكثرية السنية لدورها التاريخي في حراسة الارث الاسلامي الممتد تاريخياً منذ قرون في سوريا وبلاد الشام
لاحظ ان حزب البعث الذي كان معتمداً على عناصره في الريف  لتأمين حكمه  وقمعه للاحداث في ثمانينات القرن الماضي هو هو النظام الذي يلعب على الاوتار المذهبية والطائفية والاستعانة بالعصبية العلوية والاقلّوية من أجل قمع المعارضة الجديدة. غير انه لا بد من الاشارة الى “المدينة” اليوم قد تمّ تدجينها وضمّها بنجاح للماكينة البعثية، اذ ان الصورة التي أشاعها النظام في الاحداث الاخيرة ان المعارضة هي نقمة أهل الريف على أهل المدينة وكرههم لهم، بصورة أخرى هي ثورة المزارعين السنة على سكان المدن من أتباع الطوائف الاخرى. والاستنتاج ان الطبقة الرديفة التي ساهم البعث في تشكيلها نجحت في السيطرة على المشهد العام، كما ان حكم المخابرات ساهم بشكل فعّال في القضاء على النخبة الحرّة في المدينة. والملاحظة الاهم هي تلاعب النظام بثنائيات اليمين/اليسار، الصمود/التطبيع، المدينة/الريف من أجل تأمين استمراريّته بنفس أسلوب نظام الاب

٤- حزب البعث: ينطلق الكاتب من واقع ان النظام الذي أسّسه حزب البعث مع الانقلاب الذي قام به العام ١٩٦٣، أصبح مع الرئيس حافظ الاسد ماكينة لبسط سلطة العلويين -لاحظ صراع المدينة والريف عند ابن خلدون – حيث قامت المجموعة العلوية في الحزب بإقصاء القيادات السنية منه. ففي المؤتمر القطري للحزب عام ١٩٧٩-١٩٨٠ الذي تشكّلت منه الهيئة العليا وعددهم ٧٥ عضواً؛٣٠ منهم كانوا علويّين. على الرغم من هذه الوقائع  فشل جهاز حزب البعث في الدفاع عن النظام – على الاقل خلال الفترة الاولى للاحداث – إذ انّه وفي أحداث ٨ آذار ١٩٨٠ قام العديد من البعثيين بالاشتراك بالهجوم على مراكز الحزب. لذلك صدر لاحقاً قانون “أمن الحزب” الذي يوقع عقوبات “شديدة” بحق من يترك الحزب، وشدّد صقور الامانة العامة للحزب بقيادة رفعت الاسد شقيق الرئيس سلطته الامنية على الحزب. ينتهي الكاتب الى انه في دول المشرق، حيث الاحزاب تتصرّف كعصابات والدول تنشأ كتجمّعات سياسية، لا يسلم أي تحليل  يتعلّق بهذه الدول الّا بالعودة الى الطائفة او الدين
وهنا يبدو استنتاج ميشال سورا النهائي صحيحاً بدون شك، فالاحداث السورية الاخيرة، والاحداث اللبنانية منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا – رغم الاستقرار النسبي المحدود – لا يدع مجال للشك ان المذهبية تتحكّم بكل وسائل السلطة، والدولة بذاتها ما هي الّا امتداد لسلطات الطوائف. فالدولة السورية “الحديثة” التي بناها حافظ الاسد واستمرّت من بعده مع بشار الاسد انكشفت على أبواب درعا يوم انطلقت الاحتجاجات في آذار ٢٠١١ من خلال استغلال الطائفية والمذهبية وتخويف الاقليات من بعضها ومن الاكثريّة السنيّة، وهنا تعود الدولة او “المدينة” على تعبير ابن خلدون الى العصبية القبلية الاولى لكي تجد الامان امام اندثار نظرية الدولة، حامية المجتمع المدني العام

٥- الامّة: ينطلق ميشال سورا في استعراض منطق الاخوان المسلمين المرتكز على “ثالوث” ابن خلدون: العصبية – الدعوة – المُلك. فحسب ابن خلدون ان الجماعة، او “العصبية”، المرتبطة بروابط معيّنة (دين، رابطة دم، مصير…)  في زمن ومكان محددين تلجأ الى “الدعوة” كوسيلة للوصول إلى “المُلك” (اي الحكم). بالتالي، بالنسبة للأخوان المسلمين، يكفي ان نستبدل “العصبية” بالطائفة العلوية، والدعوة بال”دولة الحديثة” حتى تضّح الصورة بالنسبة للنظام البعثي العلوي. فسلطة الرئيس حافظ الاسد استخدمت الدعوة، يفصّل الكاتب الدعوة بأنّها العروبة والاشتراكية وبناء الدولة الحديثة، من أجل تأمين الحكم للعلويين، وإقناع باقي المذاهب بمشروع عام شامل وهو وهم بناء الدولة الحديثة، مع إبقاء “صفاء” المشروع العلوي السياسي موحّداً. وفي هذا الاطار قام نظام الاسد بربط مصير الطائفة العلوية بشخصه، من خلال الاجتماعات الدورية العامة مع وجهاء العلويين، وزياراته المتكرّرة لمنطقة الساحل السوري – مركز ثقل العلويين -، ومن خلال جمعية “علي المرتضى” ونشاطاتها في شراء الولاءات لنظام الاسد، كما من خلال إقصاء وقتل واغتيال المعارضين لسلطة الاسد، بالاخص داخل الطائفة العلوية (اغتيال محمد عمران، محمد الفضل…). هذا بالاضافة الى ما قام به النظام أثناء الاحداث الاخيرة من عملية تخويف ممنهجة داخل أوساط العلويين؛ فللمرة الاولى في التاريخ تصل الطائفة العلوية للحكم في سوريا، لذلك قام النظام بتصوير تحرّكات الاخوان المسلمين بأنّها رد فعل على حكم العلويين ورغبة بالانتقام منهم. كل هذه الممارسات التي مارسها الاسد من أجل تأمين استمرارية نظامه، ومن خلفه سلطة العلويين أسقطت  مشروعية “الدعوة” – العروبة والاشتراكية – الذي نادى به منذ استلامه السلطة
يستنتج الكاتب ان ما يجري في سوريا ليس صراع بين اليمين واليسار، او بين طبقات المجتمع او حتى بين التقدمية والرجعية. الصراع برأيه ينحصر بتثبيت سلطة الأسد العلوية (المُلك في القاموس الخلدوني) وما الديمقراطية والمجتمع المدني الا مصطلحات استعملها هذا النظام من دون وجود حقيقي لها على أرض الواقع.

ينتقل ميشال سورا بعد ذلك لذكر ممارسات النظام السوري على الصعيدين الداخلي والخارجي من أجل تثبيت سلطته وابتزاز الخارج ومقايضتهم  لاستمرار صلاحيته. فالنظام البعثي الذي قام بانقلابه على أساس الريف بمواجهة المدينة وما فيه من صراع طبقي مزمن، استمر مع حكم الاسد على أساس الغبن الطائفي التاريخي اللاحق بالطائفة العلوية من قبل الطائفة السنية، ولا يجد في دكّ النظام لمدينة حماة في شباط ١٩٨٢ الّا تلك الروحية التي يعالج النظام بها الازمات. وللتذكير ان التاريخ يذكر انّه ومنذ مئة عام، لم يكن الشخص العلوي يستطيع دخول مدينة حماة من دون ان تتم إهانته أو ضربه أو حتى قتله من قبل السكان “السنّيين”. فكما في الداخل كذلك في الخارج، يلجأ نظام الاسد الى العنف والارهاب من أجل السيطرة والتفرقة وإعطاء المشروعية الدولية له؛ من  إرسال السيارات المفخخة الى بيروت وصيدا العام ١٩٨٢ من أجل إفهام عرفات أنّه ليس الناطق الرسمي باسم الفلسطينيين. الى إرهاب الجيران،  سيارات مفخّخة في عمّان، تفجيرات في بغداد، دعم لحزب العمّال الكردستاني في تركيا. الاستفادة من خدمات منظمة “أبو نضال” الارهابية على صعيد عالمي، تحريك الميليشات العلوية في طرابلس بيروت بقيادة علي عيد الذي يأتمر شخصياً بالاسد

يحلّل ميشال سورا في مقالة أخرى المجتمع السوري خلال الاحداث الاخيرة ودورها في الصراع الدائر على السلطة.  فالمعارضة السائدة للنظام  تتألّف خاصة من الاخوان المسلمين، بالاضافة الى المعارضة السياسية: شيوعيّو “المكتب السياسي” بقيادة رياض الترك، الناصريون بقيادة فوزي الكيّالي، وحركة ٢٣ شباط البعثية، وهي الجناح الحاكم بين الانقلابين البعثيين (١٩٦٦-١٩٧٠) بقيادة ابراهيم ماخوس، صلاح جديد، نور الدين الاتاسي…الموجودين امّا في المنفى أو في السجن. لا تنفي تلك المعارضة السياسية قدرة الاخوان المسلمين على كسر حاجز الخوف في المجتمع من السلطة الحاكمة، من غير أن يبرروا الارهاب الممارس من قبل الحركة.  وعلى عكس هذه الاخيرة وحركة ٢٣ شباط، تجمع القوى الشيوعية (المكتب السياسي) والناصريّة على ان وهم إسقاط النظام بين يوم وليلة هو حلم، وواقعيّتهم حدّدت تحرّكاتهم السياسية والعملانية بإبقاء أي تحرّك على المستوى السياسي دون الدخول في المتاهات الامنية. وعلى الرغم من أن المعارضة أعطت طابعاً مدنيّاً متعدّداً لحركة الاخوان المسلمين غير ان الاحداث تركّزت في المدن ذات الاغلبية السنيّة من حلب حيث الثقل الاكبر للطائفة السنية والاخوان المسلمين، الى حماة المدينة ذات “التطرّف الاسلامي” الاقوى في سوريا، الى الريف حيث الاشتباكات في جبال العلويين واللاذقية بين السنة والعلويين. كل هذه الاحداث أوجدت واقعاً ظهرت فيه السلطة البعثية عاجزة عن الحسم وردع حرية حركة الاخوان المسلمين، وهذا يدلّ على ان الحركة تتمتّع بتعاطف واسع بين الاهالي في مختلف المدن التي تجري فيها المعارك. في مقابل الحركة العامة للمعارضة التي كانت في تصاعد مستمر، من الناحية السياسية الاجتماعية المدنيّة  – باستثناء العنف الذي كان حكراً على الاخوان المسلمين  والذي لم يبرّره ميشال سورا كما لم يبرّر العنف السلطوي –  كان للسلطة رأي آخر، بداية من خلال تطهير الجيش من العناصر المعترضة والتي يمكن ان تشكّل خطر حيث تم القبض على عصبتين في الجيش جلّها من العناصر السنّية، وأُصدر بمنع أكثرية الطيّارين السنة في السلاح الجوي من الطلعات الجوية. كذلك قامت الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة في سوريا بإصدار بيان يفصّل “الاعتراضات” العديدة للجبهة على الممارسات الخاطئة للسلطة، الفساد الاداري، المطالبة بتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية ومعالجة غلاء الاسعار… وكأنّ البيان صادر عن المعارضة أكثر منه عن قلب النظام الحاكم والمسؤول بالدرجة الاولى عن التردّي الحاصل. وبعد يومين بدأت موجة من الاعتقالات والتوقيفات المرتبطة بالبيان المذكور، حتى ان بعد فترة ساد الانطباع ان البلد يفلت من السلطة البعثية وان الحريات العامة  حقّقت إنجازات على هذا المستوى. غير ان القرار النهائي للرئيس الاسد شخصياً،  فداخل حزب البعث حيث كان الصراع بين الجناح القديم الذي يمثّله محمد الايوبي، عبدالله الاحمر، محمد بجبوج الذي ينادي بالتعامل “الناعم” مع المعارضة ومحاورة الاطراف السلمية، والجناح الشاب يمثّله رفعت الاسد الذي ينادي بالحسم العسكري السريع والامتناع عن أي عملية محاورة. وبالرغم من انّ الرئيس حافظ الاسد ظهر بمظهر الحكم بين الطرفين، حسم الاسد الامر في النهاية لصالح الجناح الشاب، ويكون بذلك خيار الحسم العسكري بوجه المعارضة

قام ميشال سورا بتحليل كافٍ ووافٍ عن الوضع السوري العام، وبالاخص التحليل المتعلّق بالسلطة الحاكمة، وفصّل تكوينها وأهدافها المعلنة وغير المعلنة. بالإستناد الى ما قام به الكاتب في العام ١٩٨١ حتى العام ١٩٨٣ تاريخ اختطافه، وبالمقارنة مع الوضع السوري الراهن بعد الثورة السورية الاخيرة العام ٢٠١١ واستمرارها لغاية اليوم نجد ان التاريخ يكاد يعيد نفسه بالطرق والاساليب والاجتهادات نفسها. فالنظام ومنذ اليوم الاول للثورة في آذار ٢٠١١ اتّهمها بأنّها ثورة سنّية وطائفية، وهنا تلاحظ المنطق الخلدوني – الذي تناوله ميشال سورا – في تعبئة الجماعة، العلوية كما باقي الاقلّيات، والتخويف من الثورة باعتبارها وسيلة سنّية للإمساك بالسلطة وقمع المذاهب والطوائف الاخرى، حتى ساحات القتال تتكرّر بوسيلة مثيرة، فكما سنتناول لاحقاً من خلال السياق الزمني للأحداث في سوريا، يكفي ان أذكر هذه الاسماء التي يعرفها من يتابع الاحداث في سوريا على أنّها ساحات ارتكب فيها النظام مجازر على امتداد عام ونصف منذ آذار ٢٠١١: جسر الشغور، حماة، حمص، حلب، الرستن…

Advertisements

Posted on 5 نوفمبر, 2012, in سياسة and tagged , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: