سحر وشعوذة وتنبؤات الحايك

يُحكى انه في عصر مضى، عصر لم يعد موجوداً سوى على صفحات كتب التاريخ، عصر تقرأ تفاصيله فينعش فيك مخيّلات لا سماء لها ولا مساكن. انّها عصور قديمة كان فيها رجال الدين هم الحكام، وكان الحكام هم المتواطئين، وكان الشعب هو المحكوم ،المسيّر

في تلك العصور القديمة عرف الناس “رجل الدين”. وفي أسماء اليوم رجل الدين على الصيغة القديمة هو  “الساحر” أو “المشعوذ” او “العرّاف” او “العالم بالغيب” أو “المتّصل بالارواح”. وتعكس هيبة وسيطرة هذه المجموعة على وعي ولا وعي الناس والشعوب القديمة، الصلة القوية بين الخوف من المستقبل كقوة أو غموض لا يمكن ان نتوقّعه، وبين واقع الناس المنحصر ببؤس تحصيل القوت والامان … لذلك كان لهؤلاء “العلماء بالغيب” سيطرة وسلطة أكبر وأقوى من أن تقاومها العامة ولا حتى الحكّام، وكانوا بمرتبة آلهة أو أنصاف آلهة. ومع تقدّم الازمان وتبدّلها، وحلول الوعي الفكري والمنطق العلمي مكان “الغيب” و”السحر” ، أصبح “علماء الغيب” “مشعوذون” وبدل ان توقد النار تحية لمن استطاع استشراف المستقبل ، أوقدت النيران فيهم، وبدل ان تُقدّم الذبائح تكريماً لهم، قُدّموا ذبائح على هيكل الاله الجديد “الواحد” الذي لا أحد غيره يعرف الغيب ويعلم الخاتمة. كم جميل ان تفتح كتابا يحوي قصص الميثولوجيا الدينية القديمة لكي تطالع صراع الآلهة اليونانية، أو لكي تتعرّف على كتب الفراعنة والفينيقيين و الفرس. كم جميلا أن تفتح كتاباً يستثير مخيّلتك الى حدود  لا محدودة

ميشال حايك (via sawtbeirut.com)

بالامس أطلّ “عالم لبنان الغيبي” ميشال حايك على شاشة التلفزيون “أم.تي.في” وهلّلت له المقدمة الجميلة – والجميلة فقط في سكوتها – واستمع له جمهور الاستديو كما جماهير المشاهدين بإنصات المؤمن في هيكل الاله لعظته الاخيرة، كأنّ نبيّ جبران قد حضر من عزلته في الجبل. وعلى الرغم من أن كتاب الطقوس اللبناني نص على ان إطلالة “العالم بالغيب” أو “وكيل الاله والناطق الرسمي له” تكون حصراً وحكماً ليلة رأس السنة. ففي الاعراف اللبنانية في تلك الليلة نكون على موعد البكاء والحزن مع قصص غريبة تجمع المتخاصمين، أو تعيد المفترقين، وتغدق عليهم الملايين، أعني بها سينما ال”أل.بي.سي” المصوّرة . ثم يأتي دور “علماء الغيب” أو بصورة علمية “علماء الفلك” الذين يعرفون فك رموز الغيب كما يفك العالم روبرت لانغدون شيفرات  ليوناردو دافينتشي في رواية دان براون الشهيرة. وأشهر هؤلاء على الاطلاق رغم حداثة إطلالته على الشاشة هو ميشال حايك، الرجل الذي أطلق خمسين تنبّؤ ، كلّها بالشأن العام، تشاء الصدف أن يصيب هدفاً جدّياً، لا أذكره لأنّني من أصحاب الواقع المادي الضيّق، فيصبح الرجل حديث الميديا والبيوت

فإذا كان هؤلاء “العلماء” هم بالواقع والعلم مرضى ومصابين بعاهات لا تقوى الكلمات ولا تستطيع أ ن تشخّصها، فإن المرض الاكبر والاخطر هو ذاك الذي أصاب المجتمع اللبناني من خلال تنصيب هؤلاء عرّافين فوق العادة – مثل فيروز سفيرة فوق العادة  الى النجوم –  وإضافتهم الى مجموعة الهياكل والآلهة الذين يتعبّدون. وللتذكير فإن تلك المرحلة اشتهرت بالاغتيال السياسي، وكان بعد كل انفجار السؤال الواحد هو: من التالي ومتى؟ لذلك كان هؤلاء “المتنوّرين” يحاولون الرد على هذا التساؤل من خلال إطلاق الأسماء، مواربة أو مباشرة، وما على الرسول الّا البلاغ، وناقل الكفر ليس بكافر. فعدم الاستقرار السياسي والامني اللبناني، يضاف اليه انعدام سلطة الدولة التي لها الحق بالتوقيف والعقاب معاقبة المرتكبين – المباشرين على الاقل – والتي حلّ محلّها زعماء الميليشيات المحلّية، من الشارع الى القرية والمنطقة، والوطنية المزيّنة بأكاليل النصر على أعداء الداخل أو الخارج – أولئك الذين لهم القدرة على التمدّد على أرض الوطن الكبير – يضاف اليه ما يعرفه القاصي والداني عن التدخلات الخارجية في الشؤون اللبنانية الخاصة والعامة، كل تلك العوامل أفقدت اللبناني العادي أي ثقة بالمستقبل وأي قدرة على توقّع أي فجوة أمل أقلّه في المستقبل القريب. وكان الدواء في اللجوء الى من “قال كلمته ومشى” الى العالم الكبير ميشال حايك الذي يتلو ما في رأسه من صور دون أي نقاش أو إضافة، فالباري أو الاله أو المخيّلة أو الخالق يعطي من دون نقاش، وهو بالتالي يعامل الناس بنفس القسوة التي يتلقّاها. والمضحك المبكي أن الناس الذين يقرأون في الانجيل والقرآن والحكمة والكابالا، وضعوا نسخ من توقّعات الحايك الى جانب تلك الكتب لكي يعاينوا تفوّق ذلك النبي على ما ذُكر في نواميسهم من قصص مضى الدهر عليها وشرب.  وسنة بعد أخرى، أصبح هؤلاء ضيوفاً فوق العادة و بطاركة التلفزيون.  وما حصل الامس – وقيل لي أن تلفزيون الجديد استقبل أحدهم ممّن يتّخذون لهم زوجة من الجن – أن صاحب الجلالة أطلّ من دون سابق إنذار وأطلق سلسلة من التنبؤات من دون نقاش أكيد…  والطريف أن مقدمتنا الجميلة من دون كلام كانت تقول -خيّ، انشالله – بمناسبة الحديث عن توقعات “سعيدة” على قلّتها ويا ليتها قلّلت كلام وأكثرت من المكياج لكي تبدو أبهى

الاعلامية منى ابو حمزة – جميلتنا عندما تسكت

هو تحالف “شرّير” بين المال والاعلام والجمال والغيب، يعطّل قدرة الانسان على التفكير المنطقي، ويعطّل رسالة الاعلام على ترويج ثقافة التفكير بدل ثقافة الشعوذة. من صميم التكنولوجيا والقرن الواحد والعشرين، وفرادة اللبناني المنتشر في أصقاع الارض ليساعد شعوبها على التمدّن – على الطريقة اللبنانية الشوفينية – يأتي رجل ومن خلفه صناعة لتنقل الباقي من لبنانيين على أرضه، الى ما خلف التاريخ، الى ما قبل الكتابة والتفكير، الى زمن عبادة الاوثان التي ما توقّفت يوماً، الى زمن أدونيس والخنزير…. وتصبحون على وطن

Advertisements

Posted on 23 نوفمبر, 2012, in Uncategorized and tagged , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: