عود على بدء…. رباعي الجلجلة: بلفور، سايكس، بيكو ومكماهون

الحياة  صراع، وهي صراع بين الاقوياء على تقاسم النفوذ، صراع ينظّمه ويخطّط له هؤلاء، وينفذّه الضعفاء الذين يعيشون تداعياته وويلاته، ولا حول لهم في تغييره ولا قوة. واذا كان الوصف يرتكز على الافراد، فإنه من دون شك صالح للتطبيق على الدول

ففي الدول العربية بشكل عام، والمشرقية منها بشكل خاص، نجد ان “فعل” الانظمة القائمة فيها من ناحية التخطيط وتنظيم الصراعات مع الانظمة الاخرى المجاورة والبعيدة توقف، أو أصيب بشلل تام منذ مئات السنين، بشكل أخص منذ ضعف الدولة العباسية حتى مجيء الدولة العثمانية بدايات العام ١٥٠٠. وعلى الرغم من ان العرب نجحوا في التخلّص من الحكم العثماني العام ١٩١٨ مع نهاية الحرب العالمية الاولى، غير انهم لم يكونوا في مرتبة “الاقوياء” القادرين على تحديد مصائرهم، مع ان الحرب العالمية الاولى انتهت مع هبوب عناصر التغيير والاستقلال في مختلف النواحي المستعمرة. ومن أبرز عوامل “الشقاء العربي” اذا أمكنت تسميته كذلك، هي ثلاثية وعد بلفور – اتفاقية سايكس بيكو – مراسلات الحسين مكماهون

وعد بلفور

للمرة الوحيدة في التاريخ البشري الحديث (أقلّه) تقوم دولة باقتطاع كيان أو دولة أخرى وإعطائه لمجموعة لا تقطن المساحة المستقطعة، بل ولا تمت لها بأي صلة، وذلك بعملية ابتزاز وتواطؤ فاضح بين الدولة البريطانية والمتموّل اليهودي البارون “والتر روتشيلد”    ومن ورائه المنظمة الصهيونية العالمية. “وعد بلفور” انه الوعد الذي غيّر مسار الاحداث في منطقة المشرق العربي وما وراءه للأبد، والذي أتت من بعده اتفاقية سايكس – بيكو الشهيرة والتي نقضت كل ما كان قد تم الاتفاق عليه بين الشريف الحسين والسفير مكماهون في ٢ نوفمبر ١٩١٧ وفيه تأييد حكومة جلالة الملك البريطاني بشخص وزير الخارجية البريطاني السير آرثر بلفوربإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، والتالي نص الرسالة مترجم للعربية عن ويكيبيديا

نص الرسالة الاصلي بالانكليزية وصورة السير بلفور (via wikimedia.org)

وزارة الخارجية

في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

“إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”.

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جيمس بلفور

ومنذ العام ١٩١٧ وحتى اليوم، نعيش في العالم العربي تداعيات هذا الوعد، فمن المعروف انه في نهاية الحرب العالمية الاولى وهزيمة الاتراك على يد الحلفاء، ودخول هؤلاء فلسطين، سوريا، لبنان والعراق، كانت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية قد اتفقوا سراً على تقسيم المنطقة بشكل يلائم نفوذ الدول الثلاث، مع مراعاة بريطانيا لوعد بلفور واتاحة الوقت امام الصهيوني القادم من مختلف البلاد من تدبير أموره قبل الاعلان الرسمي للدولة الناشئة. ولا بد من ابراز التناقض في التصرفات والوعود في بريطانيا التي تقودها مصالحها، بين وعد بلفور ومراسلات الحسين – مكماهون التي بدأت بتاريخ سابق، والتي سنذكرها لاحقاً، حيث ان بريطانيا التزمت التزاماً قطعياً بالوعد الاول، بينما لم تعر المراسلات الثانية أية أهمية، ولم تتعدّ أهميّتها تأليب العرب ضد الاتراك

فبعد نشوء دولة اسرائيل، قامت في المنطقة  ١٠ حروب كانت إسرائيل طرفاً فيها جميعاً

عدوان  ١٩٥٦ اسرائيل فرنسا وبريطانيا ضد مصر

حرب  ١٩٦٧ اسرائيل ضد العرب مجتمعين

حرب ١٩٧٣ سوريا ومصر ضد اسرائيل مع هجوم مضاد بعد أيّام من قبل هذه الاخيرة

اجتياح لبنان الاول ١٩٧٨

اجتياح بيروت ١٩٨٢

الانتفاضة الفلسطينية ١٩٨٧ أول حركة احتجاجية داخل الاراضي المحتلة

حرب تموز ١٩٩٢ اسرائيل ضد لبنان

حرب نيسان ١٩٩٦ اسرائيل ضد لبنان

حرب تموز ٢٠٠٦ اسرائيل ضد لبنان

 عدوان غزة ٢٠٠٨ اسرائيل ضد غزة

عدوان غزة ٢٠١٢

ومناسبة الحديث عن وعد بلفور هو الواقع الحالي لمنطقة المشرق العربي. ففي الصورة هناك سوريا، لبنان والعراق. وكل هذه الدول لديها مشاكل داخلية، طائفية ومذهبية. انتج وعد بلفور دولة اسرائيل اليهودية القومية، في محيط فيه ما لا يقل عن ثلاثة أجيان واكثر من ٢٠ طائفة وعرق مختلفين، أي انه محيط أقليات اوجدت لنفسها عبر السنين والقرون طريقة للتعايش والتفاعل السلمي. فإذا بالوجود “القومي” اليهودي يأتي مع سياسة الاقلّيات-القوميات، من الاقلية المارونية، التي لم تقو على حكم لبنان من دون قاعدة التعايش والتفاعل السالفة الذكر، الى الاقلية العلوية في سوريا التي حكمت وتحكم سوريا منذ العام ١٩٦٣ والتي تمارس أبشع عمليات القتل الجماعي لكي تستمر في حكمها وقمعها للاكثرية السنية وللفئات المطالبة بالحرية مهما كان انتماءها. بالاضافة الى الاقلية الدرزية التي حاولت اسرائيل تفعيلها من خلال تنمية هذه القومية وعرض الحكم الذاتي في منطقة جبل الدروز أو منطقة الشوف حتى وادي التيم في البقاع اللبناني، من دون اي نجاح يذكر، بل ويسجّل للثورة الدرزية العام ١٩٢٦ في سوريا التي أصبحت الثورة السورية الكبرى انّها أحبطت سياسة تقسيم سوريا الى أربعة دول طائفية كما سيأتي ذكره…

اتفاقية سايكس بيكو

والحديث عن وعد بلفور ينقلنا حكماً الى تناول اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا – وروسيا القيصرية، التي انسحبت بعد نجاح الثورة البولشفية العام ١٩١٧، والتي تم توقيعها بين كل من “فرنسوا-جورج بيكو” ممثل فرنسا والمندوب السامي لمتابعة أمور الشرق الادنى، و”مارك سايكس” المندوب البريطاتي السامي لشؤون الشرق الادنى، وموضوعها تقاسم الولايات العثمانية المشرقية بعد التخلّص من الامبراطورية العثمانية. وبعد مفاوضات بين الطرفين بالاضافة الى روسيا القيصرية تم التوصل الى الاتفاق الشهير الذي بموجبه تحصل فرنسا على سوريا والولايات الغربية للمتوسط (لبنان) أما بريطانيا فإنها تسيطر على العراق (جنوب ووسط) بالاضافة الى مينائي عكا وحيفا في فلسطين، ويقوم اتحاد دول عربية في المنطقة بين القسمين الفرنسي والبريطاني بعد الاتفاق مع الشريف حسين. وتقوم روسيا بالسيطرة على الولايات الارمنية في تركيا وشمال كردستان، وتخضع فلسطين لادارة دولية. ونص المعاهدة كما يلي

المادة الأولى: إن فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا وتحميا دولة عربية برئاسة رئيس عربي في المنطقتين “آ” (داخلية سوريا) و”ب” (داخلية العراق) المبينة في الخريطة الملحقة بهذا الاتفاق. يكون لفرنسا في منطقة (آ) ولإنكلترا في منطقة (ب) حق الأولوية في المشروعات والقروض المحلية، وتنفرد فرنسا في منطقة (آ) وإنكلترا في منطقة (ب) بتقديم المستشارين والموظفين الأجانب بناء على طلب الحكومة العربية أو حلف الحكومات العربية

 

المادة الثانية: يباح لفرنسا في المنطقة الزرقاء (سوريا الساحلية) ولإنكلترا في المنطقة الحمراء (منطقة البصرة) إنشاء ما ترغبان به من شكل الحكم مباشرة أو بالواسطة أو من المراقبة، بعد الاتفاق مع الحكومة أو حلف الحكومات العربية

 

المادة الثالثة: تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء (فلسطين)، يعين شكلها بعد استشارة روسيا وبالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة

 

المادة الرابعة: تنال إنكلترا ما يلي

١- ميناءي حيفا وعكا

٢- يضمن مقدار محدود من مياه دجلة والفرات في المنطقة (آ) للمنطقة (ب)، وتتعهد حكومة جلالة الملك من جهتها بألا تتخلى في أي مفاوضات ما مع دولة أخرى للتنازل عن جزيرة قبرص إلا بعد موافقة الحكومة الفرنسية مقدماً

 

المادة الخامسة: تكون اسكندرونة ميناء حراً لتجارة الإمبراطورية البريطانية، ولا تنشأ معاملات مختلفة في رسوم الميناء، ولا تفرض تسهيلات خاصة للملاحة والبضائع البريطانية. وتباح حرية النقل للبضائع الإنكليزية عن طريق اسكندرونة وسكة الحديد في المنطقة الزرقاء، سواء كانت واردة إلى المنطقة الحمراء أو إلى المنطقتين (آ) و(ب) أو صادرة منهما. ولا تنشأ معاملات مختلفة مباشرة أو غير مباشرة على أي من سكك الحديد أو في أي ميناء من موانئ المناطق المذكورة تمس البضائع والبواخر البريطانية

تكون حيفا ميناء حراً لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها، ولا يقع اختلاف في المعاملات ولا يرفض إعطاء تسهيلات للملاحة والبضائع الفرنسية، ويكون نقل البضائع حراً بطريق حيفا وعلى سكة الحديد الإنكليزية في المنطقة السمراء (فلسطين)، سواء كانت البضائع صادرة من المنطقة الزرقاء أو الحمراء، أو من المنطقتين (آ) و(ب) أو واردة إليها. ولا يجري أدنى اختلاف في المعاملة بطريق مباشر أو غير مباشر يمس البضائع أو البواخر الفرنسية في أي سكة من سكك الحديد ولا في ميناء من الموانئ المذكورة

 

المادة السادسة: لا تمد سكة حديد بغداد في المنطقة (آ) إلى ما بعد الموصل جنوباً، ولا إلى المنطقة (ب) إلى ما بعد سامراء شمالاً، إلى أن يتم إنشاء خط حديدي يصل بغداد بحلب ماراً بوادي الفرات، ويكون ذلك بمساعدة الحكومتين

 

المادة السابعة: يحق لبريطانيا العظمى أن تنشئ وتدير وتكون المالكة الوحيد لخط حديدي يصل حيفا بالمنطقة (ب)، ويكون لها ما عدا ذلك حق دائم بنقل الجنود في أي وقت كان على طول هذا الخط. ويجب أن يكون معلوماً لدى الحكومتين أن هذا الخط يجب أن يسهل اتصال حيفا ببغداد، وأنه إذا حالت دون إنشاء خط الاتصال في المنطقة السمراء مصاعب فنية أو نفقات وافرة لإدارته تجعل إنشاءه متعذراً، فإن الحكومة الفرنسية تسمح بمروره في طريق بربورة- أم قيس- ملقا- إيدار- غسطا- مغاير إلى أن يصل إلى المنطقة (ب)

 

المادة الثامنة: تبقى تعريفة الجمارك التركية نافذة عشرين سنة في جميع جهات المنطقتين الزرقاء والحمراء في المنطقتين (آ) و(ب)، فلا تضاف أية علاوة على الرسوم، ولا تبدل قاعدة التثمين في الرسوم بقاعدة أخذ العين، إلا أن يكون باتفاق بين الحكومتين. ولا تنشأ جمارك داخلية بين أي منطقة وأخرى في المناطق المذكورة أعلاه، وما يفرض من رسوم جمركية على البضائع المرسلة يدفع في الميناء ويعطى لإدارة المنطقة المرسلة إليها البضائع

 

المادة التاسعة: من المتفق عليه أن الحكومة الفرنسية لا تجري مفاوضة في أي وقت للتنازل عن حقوقها، ولا تعطي ما لها من الحقوق في المنطقة الزرقاء لدولة أخرى سوى للدولة أو لحلف الدول العربية، بدون أن توافق على ذلك مقدماً حكومة جلالة الملك التي تتعهد بمثل ذلك للحكومة الفرنسية في المنطقة الحمراء

 

المادة العاشرة: تتفق الحكومتان الإنكليزية والفرنسية، بصفتهما حاميتين للدولة العربية، على أن لا تمتلكا ولا تسمحا لدولة ثالثة أن تمتلك أقطاراً في شبه جزيرة العرب، أو تنشئ قاعدة بحرية على ساحل البحر المتوسط الشرقي، على أن هذا لا يمنع تصحيحاً في حدود عدن قد يصبح ضرورياً بسبب عداء الترك الأخير

 

المادة الحادية عشرة: تستمر المفاوضات مع العرب باسم الحكومتين بالطرق السابقة نفسها لتعيين حدود الدولة أو حلف الدول العربية

 

المادة الثانية عشرة: من المتفق عليه ما عدا ذكره أن تنظر الحكومتان في الوسائل اللازمة لمراقبة جلب السلاح إلى البلاد العربية

خريطة تظهر فيها تقسيم منطقة المشرق العربي بين فونسا وبريطانيا (via wikimedia.org)

وبإعادة النظر في نص الاتفاقية نستنتج التكامل بينها وبين وعد بلفور من خلال تأمين الحماية الدولية على أرض فلسطين تمهيداً لتنظيم الامور وتأسيس “الوطن القومي لليهود” على الارض الفلسطينية. وهو ما حصل لاحقاً مع انقلاب الحماية الدولية الى انتداب بريطاني مباشر على فلسطين انتهاءاً بإعلان دولة إسرائيل على جزء من فلسطين مع انسحاب البريطانيين بعد الحرب العالمية الثانية، وتأسيس دولة إسرائيل العام ١٩٤٧، ومن ثم توسيع الدولة المغتصِبة الى كامل التراب الفلسطيني بعد حرب ١٩٦٧. ولقد تم إعطاء الاتفاقية المذكورة الشرعية والغطاء الدوليين بعد الحرب العالمية الاولى من خلال اتفاقيتي سيفر العام ١٩٢٠ ولوزان العام ١٩٢٣ من خلال ما عرف بالانتدابين الفرنسي والبريطاني على المشرق العربي بحسب نص الاتفاقية المذكورة

أعلنت فرنسا في مناطق نفوذها الكيان اللبناني دولة مستقلة، والذي ضم بالاضافة الى جبل لبنان ذي الاستقلال الذاتي منذ أكثر من ثلاثماية عام، ولايات بيروت وطرابلس والبقاع اللبناني التابع آنذاك لولاية دمشق و الجنوب حتى الناقورة التابع آنذاك لولاية عكا. وتم تقسيم سوريا الى أربع دول (طائفية): دولة العلويين على الساحل السوري، دولة جبل الدروز في الجنوب السوري، دولة دمشق في الوسط، ودولة حلب بالاضافة الى سلخ لواء الاسكندرونة وضمّه لتركيا بعد العام ١٩٢٣. ولكن سياسة الفرنسيين اصطدمت بما عرف بالثورة السورية الكبرى التي اندلعت العام ١٩٢٣ وقادها سلطان باشا الاطرش  بوجه “الاحتلال” الفرنسي، وبنهايته تم احباط التقسيم الآنف الذكر وإعلان المعاهدة السورية الفرنسية العام ١٩٣٦ وتوحيد الدولة السورية والاعتراف بها دولة موحّدة

اما بريطانيا فإنها أعلنت الوصاية المباشرة على المناطق العراقية المحتلّة نم خلال تعيين مفوض سامي عليها (السير ارنولد ويلسن) غير ان العراقيين رفضوا الوصاية وحاربوها واندلعت المطالبات للاستقلال وتأسيس دولة حديثة تكون نواة الدولة العربية الكبرى حسب مراسلات الحسين-مكماهون، واستطاع العراقيون فرض إعلان المملكة العراقية بقيادة الملك فيصل الاول. وفي فلسطين تم إعلان الوصاية البريطانية المباشرة عليها تطبيقا لوعد بلفور، مع إعطاء شرق الاردن الحكم الذاتي. ويذكر التاريخ هنا المقولة الشهيرة للجنرال الانكليزي اللنبي يوم دخول القدس حين قال:”ها قد أتيناك يا صلاح الدين” في إشارة الى هزيمة الصليبيين على يد الاخير قبل ألف عام، بالاضافة الى مظاهر البهجة العارمة في  اوروبا من استعادة المسيحيين للأراضي المقدّسة في فلسطين. لاحقاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تم جلاء القوات الفرنسية عن لبنان وسوريا، والانتداب البريطاني عن العراق، كما تم إعلان إسرائيل دولة مستقلة العام ١٩٤٨ بعد صدور قرار تقسيم فلسطين العام ١٩٤٧ عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة

مراسلات الحسين مكماهون

ولتوضيح الصورة الكاملة للخطط الغربية على منطقة المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية، نتناول أيضاً مراسلات الحسين مكماهون؛ فهذه المراسلات بين الشريف الحسين بن علي، شريف مكة آنذاك قبل سيطرة آل سعود على أرجاء الجزيرة العربية، والسير هنري مكماهون، الممثل الاعلى للملك البريطاني في مصر، بين العامين ١٩١٥ و ١٩١٦، حيث كانت الحكومة البريطانية تحث العرب على الثورة ضد الاتراك. وللإطّلاع على النص الكامل  للمراسلات المتبادلة بين الرجلين على هذا الرابط

من هذه المراسلات الخمسة يمكن استنتاج التالي

أولاً: المراهقة السياسية التي تظهر من أسلوب ومضمون مراسلات الشريف الحسين والتي لا تراعي أنّه يراسل أكثر المؤسسات السياسية دهاء على مر التاريخ، وهي الدبلوماسية الخارجية البريطانية. اذ انّه يطلب وعد الانكليز بالحدود العربية قبل انتهاء الحرب مع الاتراك، مرفقاً طلبه بمساعدات غذائية وغيرها، فارضاً شروطاً ومستخدماً أسلوب أقل ما يمكن القول عنه أنّه قبلي بامتياز، لا مراوغة ولا دجل. ويبدو ان المراهقة االسياسية استمرّت في الخليج العربي – كما في المشرق وسائر بلدان العرب – حتى بعد مرور قرابة مئة عام على المراسلات

ثانياً: في المقابل فإن السير مكماهون الذي استلم رسالة الشريف الحسين لا تنقصه الحنكة ولا الخبرة من خلال استثارة مشاعر العظمة والتبجيل لدى الاخير ووصفه – من غير تعدٍّ – بالسيد المبجّل وسليل النسب الرسولي وغيرها من صفات الرجولة والشرف. كما انّه قد ردّ على طلبات الشريف الحسين المباشرة بمراوغة بريطانية معروفة ومتميّزة

ثالثاً: عدم وجود مشروع سياسي او حكم واضح لدى الشريف الحسين يتخطّى تأسيس “الدولة العربية الكبرى”، على الرغم مما أثاره ان الشعوب العربية راغبة ومتأمّلة بالحرية، غير أنّ لا يظهر في أي مكان من مراسلاته أنّه قد حضّر أو بصدد تحضير برنامج حكم، وهذا ما يبدو أنّه أراح الانكليز أكثر  والسير مكماهون الذي أخذ منه التزامات دون ان يعطيه غير التزامات عامة مع عدم المس بمصالح الحليفة فرنسا وبالاخص عدم بت أي أمر يتعلّق بالقدس وفلسطين

رابعاً:  من الواضح وجود قرار سياسي لدى البريطانيين بعدم التفريط بالاراضي العثمانية بعد تحريرها من الاتراك، بالتعاون مف الفرنسيين، وذلك يبدو جليّاً من خلال حرص مكماهون على استرضاء الشريف الحسين من خلال قبوله بمطالب الاخير – على مضض ومن دون تحديد واضح – كما من خلال الاموال والمساعدات العينية. فالهدف عندهم هو زج العرب في الثورة ضد الاتراك لكي يخف العبء عن الحلفاء في تلك المنطقة دون أي مضاعفات أو التزامات على الصعيد السياسي للمنطقة بعد الحرب

خامساً: اذا كان احتراف البريطانيين للابتزاز السياسي مشهوراً من خلال شراء الذمم والولائات، فإنّ احتراف حكام العرب منذ تلك الفترة وما قبلها وحتى اليوم مشهوراً في طلب المال مقابل الولاء أو تأمين مصالح أو إعطاء مكاسب اقتصادية أو سياسية معيّنة، في الخليج العربي (شبه الجزيرة العربية) كما في المشرق العربي وفي مصر والمغرب العربي. القصة نفسها تتكرّر من خلال الابتزاز المتبادل للولاءا توالمصالح على حساب الشعب

من الواضح ان المراسلات المذكورة لم يكن لها أي قيمة قانونية ولا معنوية، فهي في المنظار التاريخي للاحداث عملية ابتزاز سياسي قام به الشريف الحسين لانتزاع الشرعية الدولية للدولة العربية الكبرى، قابله احتراف سياسي ودبلوماسي بالتعامل البريطاني من خلال تمييع الاجابات وعموميّتها، زد عليها الاغداقات المالية والعينية لدفع الشريف الحسين الى الاسراع واعلان الثورة العربية على الحكم التركي في الاراضي العثمانية. واذا أظهرت شيء فإنها قد أبرزت اللا وعي العربي لدى معظم حكام تلك المنطقة، باستثناء من هو يقاوم في لبنان وسوريا من الاحرار، او المنفي الى مصر أو أوروبا

تشكّل المراجعة لتلك الاحداث – الوثائق الثلاث السالفة الذكر نقطة الانطلاق الاساس في التحليل السياسي الحالي للمنطقة العربية، المشرق العربي بالاخص. وبنتائجها على الدول فيها، سوريا على الاخص حيث قامت فيه الثورات الداخلية والانقلابات خاصة في خمسينات القرن الماضي، حتى قيام نظام حزب البعث العام ١٩٦٣ ولغاية اليوم، بعد الحركة التصحيحية العام ١٩٧٠ التي أتى من خلالها حافظ الاسد الى الحكم، والتي تعاني اليوم بشكل حاد وعميق من تلك التراكمات الحادة على كافة الاصعدة السياسية والاجتماعية-المجتمعية، والاقتصادية والثقافية، ففي آذار مارس العام ٢٠١١ قامت المعارضة السورية السلمية بوجه النظام الدكتاتوري، كامتداد للنهضة العربية الحديثة (وليست ربيع عربي)، وسرعان ما تحوّلت مع قسوة رد فعل النظام الى ثورة مسلّحة، فنزاع اجتماعي ريف ضد مدينة، حتى أصبح الامر صراع مذهبي، السنة ضد كل مكوّنات المجتمع السوري بالاخص العلويين، أو هكذا يحلو للنظام تصويره ليستمد من عنف الدولة الهمجي كل المشروعية. فالسؤال والحديث اليوم، ماذا لو أعادت القوى الكبرى الحديث عن اتفاقية سايكس-بيكو جديدة على طراز القرن الواحد والعشرين؟؟ لنقل اتفاقية اوباما-بوتين التي يتم فيها تقسيم سوريا الى دولتين أو حتى الى أربعة دويلات، تماما كما قرّر الطبّاخان البريطاني الفرنسي ذلك منذ مئة عام؟؟ لا شيء مستبعد، فما أثيره ليس سراً ولكن الآلية قد تختلف، فبدل التقسيم الفعلي، ربما يكون هنال تعديل دستوري تقوم بموجبه الدولة السورية الفدرالية، تماماً كالعراق الحديث

أما في فلسطين فإن العدوان الاسرائيلي لا يكاد يقف حتى تجد المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بصدد التحضير لبنك أهداف جديد، كذلك حماس والمقاومة الفلسطينية. ففلسطين الضحية الاولى للوثائق الثلاثة، وسوف تبقى كذلك ما بقي “العرب” – بمن فيهم أنظمة الحكم “الربيعية” “المسلمة” التي حكمت بعد العام ٢٠١١ والتي أثبتت قصر نظرها على صعيد تغيير السياسة العربية العامة تجاه فلسطين – طالما بقوا بعقلية الشريف الحسين؛ الاستنجاد بالاجنبي، التملّق له، وطلب الامن والامان

Advertisements

Posted on 25 نوفمبر, 2012, in سياسة, شخصيات and tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: