طريق الشام الشيطانية

لطالما كان الترابط اللبناني السوري عامل معقّد ومتشابك ومؤثّر على البلدين على مر التاريخ الحديث، القديم وما قبله. وعلى الرغم من التناقضات المحلية اللبنانية-السورية التي تسعى لفك هذا الترابط، مثل اليمين اللبناني والسوري، او التكتلات الطائفية “المتأسرلة”، أي الطامحة بالتقسيم الطائفي الذي يعطي لها “مرقد عنزة” في قرنة ما على امتداد البلدين…

ومنذ اندلاع الاحداث السورية ولبنان يلاعب القدر، يراقص النيران، ويقفز من حبل الى آخر، متخذاً سياسة النأي بالنفس صمام امان واهٍ بغطاء دولي من أجل عزل جزئي للاحداث السورية عن لبنان. غير ان الواقع له دلالات ومعان اكثر مما تتفوّه به ألسنة المسؤولين كما المعارضين. الشمال ساحة لوجستية لدعم الثوار، ولو كان المنطلق الأخوة والجوار لكان الامر مقبولا، غير انّه حين يكون السبب طائفياً ومذهبياً بامتياز يكون للدعم معنى آخر؛ ان يقوم سني الشمال بدعم سني الريف السوري في ثورته ضد النظام البعثي – علوي، تنفتح الساحة أمام شياطين التاريخ والدين والجغرافيا والجيوبوليتيك والبترودولار والهرطقات بكامل أرديتها الدينية – المتديّنة التي لا تعرف الاله الاّ في ظاهره…

وغير الشمال، البقاع اللبناني له وجهتان: الاولى من عرسال وبريتال ولواحقهما كالقاع حيث يستمر الدعم اللوجستي للمعارضة ذهاباً واياباً. اما الثانية فمن الهرمل والقرى الشيعية فيها، حيث يقوم فيها “مقاومو” حزب الله بدور ملتبس: علناً يقول الاهالي ان الحزب يدافع عن القرى الشيعية المعزولة من هجمات المعارضين “السنة”. بينما هؤلاء يدّعون بأن الحزب متورّط بدعم وملاحقة الثوار أثناء تنقّلهم، حرس حدود سوري يعني… وما إعلان الحزب عن تشييع شهداء له سقطوا في أو بسبب الاحداث السورية الاّ تورّط علني منحاز لصالح النظام الاقلّوي العلوي في دمشق. وما بين الدعم السني العلني للثوار، ودعم حزب الله للنظام، ترتسم خارطة جغرافية – سياسية في لبنان على غرار خطوط التماس الحرب اهلوية في الثمانينات، “خط الشام”

“خط الشام” في لبنان  لمن لا يعرف هو الطريق الدولية التي تصل بيروت بدمشق، وهو تاريخيا طريق الانفتاح السوري على العالم الغربي من خلال بيروت، وطريق الاستشراق اللبناني على الداخل العربي من خلال الشام وعبرها. وكما تنتقل البضائع بين العاصمتين كذلك تنتقل النكبات والافكار “الهدّامة” حسب طبيعة النظام التي يتلقّى هذه الافكار. واذا كان من نجاح يسجّل للرئيس حافظ الاسد، فهو كان في خنق تبادل الافكار والخطط على طريق بيروت الشام، مع استمرار تدفّقها على طريق الشام بيروت؛ قمع أي مجال لأي تحرّك دمشقي سوري – لبناني  يمكن ان يشكّل أي تهديد محتمل لحكم الاسد الاوتوقراطي، وبالمقابل تصدير الممارسات الامنية والسياسية من دمشق الى بيروت، وتشكيل أنظمة أمنية لبنانية موالية للنظام في دمشق. وفي هذا الاطار يمكن تسجيل نجاح باهر لسياسة تصدير الامن الى لبنان، حيث خلا الاخيرمن أي حراك سياسي مؤثّر داخلياً وخاجياً بمعزل عن المقص السوري… وذوت بيروت !!

اما اليوم، فباستعادة الصحف اللبنانية الصادرة اليوم على الانترنت، تتبّعت خبرين متناقضين يشكّلان مسار تصاعدي وتبدّل في الاحداث؛ الاول  هو “تهريب” وزير الداخلية السوري من بيروت الى دمشق عبر “طريق الشام” خوفاً من استصدار مذكرة توقيف دولية او لبنانية بحقّه، والخبر الثاني هو انشقاق رئيس الشرطة العسكرية السورية عن النظام البعثي – الاسدي واعلانه الانضمام للثوار، وهروبه الى بيروت أو عبرها الى مكان آخر عبر “طريق الشام”. هكذا من خلال هذين الخبرين تنكشف الاحداث لبنانياً؛ فلبنان لم يعد مصدر قوة لدمشق، بل الخطر الآتي من الغرب لا بد ان يمر عبر بيروت وطرابلس. وهو يأتي بصور وأحداث غير متوقعة. وللعلم ان الحرفة اللبنانية الاسهر عبر التاريخ هي التجارة، ومن لواحق التجارة هي الترانزيت، أي تحضير البضائع في مرفأ أو مستودع معيّن تمهيدا لإعادة تصديرها او نقلها الى مكان آخر. وهكذا الخطط والملاحق والذخائر… ولبنان الذي لم يعد مصدر قوة للشام هو واضح في خياراته؛ ساحة صراع بين طرفين، الاول آفل لا محالة، والثاني صاعد من دون ضوابط سياسية او أخلاقية في بلد تحكمه توازنات دينية وسياسية، هذه التوازنات هي “شيطانية” بامتياز. فمن كان ليتخيّل أن الوزير السوري سيضطر “للهرب” علناً خوفاً من توقيفه؟ ومن كان يتخيّل ان يستصدر القضاء العسكري – الذي يمكن القول أنه الابن غير الشرعي للنظام الامني السوري في لبنان – مذكرة توقيف وادّعاء على اللواء السوري علي المملوك؟؟

تتغيّر الاحداث وتنقلب التواريخ وتبقى “طريق الشام” ثابتة في وظيفتها الشيطانية العابرة للدول؛ لبنان الذي يعشق النظر نجو الافق الغربي لا يطم~ن لقوافل الشرق الصحراوية ، فبالنسبة إليه تشكل طريق الشام “الخطر الآتي من الشرق”. اما في سوريا التي ترتاح بمحيطها الصحراوي وعمقها الشرقي، لا ترحّب بالقوافل الآتية من الجبل اللبناني وما ورائه من عبر البحار، فبالنسبة  لهم تشكل “طريق الشام” “الخطر الآتي من الغرب”. هكذا كانت الوظيفة وهكذا ستبقى وما أحداث الايام الحاضرة الا تأكيد على الفكرة.

Advertisements

Posted on 27 ديسمبر, 2012, in سياسة and tagged , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: