في النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي

زوبعة جديدة تنضم الى زوابع السماء اللبنانية المتلبّدة أصلا بما يكفي من عواصف وغيوم تنذر بشتاء قارس؛ وهذه الزوبعة هي تغريدة للصحافي السوري فيصل القاسم على موقع تويتر يهزأ فيها من الجيش اللبناني بطريقة لا مهنية، بل بطريقة مسيئة للجيش اللبناني قكتب فيها: “انجازات الجيش اللبناني منذ تأسيسه: تصوير كليبات غنائية مع وائل كفوري مع نجوى كرم مع أليسا مع هيفا حرق مخيمات السوريين بعرسال م ابوالقاسم”

وللعلم فقط أنشر مضمون التغريدة/الزوبعة والتي نتج عنها اقفال لمكتب الجزيرة في بيروت من قبل بعض الشبان في مشهد أصبح حصوله يومياً هو القاعدة وليس الاستثناء، مع العلم ان أغلبية الشبان يطالبون بسلطة الدولة والقانون، ولكن بتدابير غير قانونية ولادولتية

Doc3_001

وبالأمس شاهدت تقريراً في نشرة الاخبار المسائية لقناة الجديد قدّمته الصحافية راشيل كرم عن الحادثة المشار اليها أعلاه، وفيها صرّح أحد المحامين الضيوف بأن أفعال الصحافي القاسم هي بطبيعتها أفعال جرمية وينطبق عليها قانون العقوبات اللبناني، وبنتيجة اعتراضي على مضمون “الاستشارة القانونية” الذي أثرته على موقع تويتر والرد من قبل الصحافية راشيل كرم قررت إيضاح مضمون المواد المثارة.

بالانتقال الى مضمون ما سرده المحامي بأن أفعال الصحافي تنطبق عليها المواد\ التالية: 295، 296، 317 عقوبات لبناني.

وضمانا للمعرفة، هاكم مضمون المواد المذكورة:

  • المادة 295: ” من قام في لبنان في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاية ترمي إلى أضعاف الشعور القومي أو الى إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالاعتقال المؤقت.”
  • المادة 296- ” يستحق العقوبة نفسها من نقل في لبنان في الأحوال عينها أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة. إذا كان الفاعل يحسب هذه الأنباء صحيحة فعقوبته الحبس ثلاثة أشهر على الأقل.”
  • المادة 317- معدلة وفقا للقانون تاريخ 1/12/1954 والقانون 239 تاريخ 27/5/1993 “كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة إلى ثمانمائة ألف ليرة وكذلك بالمنع من ممارسة الحقوق المذكورة في الفقرتين الثانية والرابعة من المادة 65 ويمكن للمحكمة أن تقضي بنشر الحكم.”

لتطبيق المادتين 295 و296 عقوبات لا بد من توافر الشروط المجتمعة التالية:

  1. حصول الجرم على الأراضي اللبنانية
  2. حصول الجرم في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها.
  3. القيام بدعاية ترمي الى اضعاف الشعور القومي أو الى ايقاظ النعرات العنصرية او المذهبية (295)
  4. نقل أنباء يعرف الجاني أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة (296)

بأخذ تغريدة الصحافي القاسم موضوع المقالة، نستنتج ما يلي:

  1. الجيش اللبناني بالفعل صوّر فيديو كليب مع نانسي عجرم وأليسا ونجوى كرم، هي اذا وقائع لا لبس فيها ولا جرم في تناقلها.
  2. أما بالنسبة لحرق مخيمات اللاجئين بعرسال، تصريحات الجيش والاعلام تفيد بأن من حرق المخيمات هم الارهابيون أو المتعاملين معهم من داخل المخيمات، وعلى هذا الأساس فان هذه المعلومة غير صحيحة، وتخضع لتسبيب قانوني يختلف عن التسبيب الوارد في المادتين 295 و296 عقوبات.

ولكي يبقى للعقل والمنطق مكان في رقصة الجنون والموت اليومي في حياة كل لبناني وعلى مواقعه الالكترونية وشاشاته وهواتفه، هل لأحد أن يشرح ويبرّر كيف ان عبارة “إنجازات الجيش اللبناني حرق مخيمات السوريين بعرسال” حسب ادّعاء الصحافي فيصل القاسم يمكن أن “ترمي الى اضعاف الشعور القومي أو الى ايقاظ النعرات العنصرية والمذهبية” أو “توهن نفسية الامة” وكيف أصبح شعورنا القومي بهذه الهشاشة ام بهذه الحساسية؟

الشعور القومي أو القومية بشكل أعم حسب تعريفات معظم الباحثين او المتخصصين على اختلافهم، هو هذا الشعور بين جماعة من الناس بما يربطهم من روابط مشتركة من ثقافة ونسب تميزهم عن غيرهم – وترجع أصولها إلى الماضي- وتدفعهم إلى اتخاذ مواقف موحدة في كثير من المواجهات الرئيسية في القضايا السياسية بالدرجة الأولى وفي الميادين الثقافية بالدرجة الثانية. وبالتالي فإن الشعور القومي غير مرتبط بحالة او فترة ولا وجوده يرتبط بأي شخص أو مجموعة أو حزب أو حتى مؤسسة بذاتها على المدى القصير والمتوسط. لذلك، فلا خوف على القومية وعلى الشعور القومي من أي “تغريدات” أو “كلام” مهما كان مضمونها، أما اذا كان الشعور القومي يتأثر بهكذا أخبار يكون الأمر مختلطاً علينا ونكون بحالة “الوهن القومي” أو “الفوبيا القومية” التي لا ترقى الى الشعور المحصّن وبالتالي لا تخضع لرقابة القانون في المادتين المشار اليهما.

أما بالنسبة لنص المادة 317 عقوبات فهي المادة التي يمكن أن تنسب اليها أقوال الصحافي السوري سميح القاسم. وبتطبيقها يمكن استدعاؤه والتحقيق معه على أساس المادة 317 عقوبات التي لا بد من التحقق من توافر هعناصرها لكي تتمكّن المحكمة من الحكم على المتهم، وبذلك أيضاً لا يكون هناك مجال لتطبيق المادتين 295 و 296 عقوبات كما ورد في التقرير التلفزيوني. وبذلك يكون “الشعور القومي” بأمان حتى إشعار آخر ولحين هبوب زوبعة جديدة.

واستطراداً، فان المادة 317 عقوبات قد تصلح لجعل لبنان “رومية” كبيرة فمن يتابع مواقع “التقاتل” الاجتماعي يستنتج ان الشعب اللبناني أو جزء يسير منه يمارس رقصات الموت العنصري والمذهبي، تارة ضد التكفيريين مع الجيش، وطورا ضد الإعلاميين واللاجئين/النازحين مع “حق الوجود”.

بالإضافة الى ما سبق، أعتقد أن أفضل ما يمكن عمله هو الاحترام الذاتي للحريات (مصانة بالدستور!!) وللقانون والمؤسسات من خلال احترام عملها وعدم القفز فوق المشاعر وتشكيل مجموعات هدفها “الأخذ بثأر الدولة” و”صيانة الشعور القومي” من أي ضرر من خلال اقفال المكاتب والافواه مهما اختلفنتا معها. فأبعاد هكذا مجموعات قد يؤدي الى الأسوأ، فالعصبية والقومية خلّفت مآسي مذكورة في كتب التاريخ، كما يمكن الاستعانة بموقع youtube لأنصار المواقع الالكترونية.

رأيي بما “غرّد” به الصحافي فيصل القاسم أنه من قبيل العَمَى السياسي والمهني والتعصب الذي يودي بصاحبه الى الهاوية، ونفس الأمر ينطبق على من اعترضوا وأقفلوا مكاتب الجزيرة، التعصب لا يقابل بتعصّب أو على الدنيا السلام، علماً ان ما يجري حالياً في لبنان هو جنون رائحة الدماء والقلوب والأفكار المنطلقة من عقال الجهل الجاهزة للاشتعال عند أول “قدحة”.

شكراً للصحافية المجتهدة راشيل كرم ولتقاريرها الناجحة، أثرت معها مبدأ ان تكون المعلومات القانونية الواردة في تقريرها كما في أي تقرير مثبت من صحتها وكفايتها مع بعض المبالغة بتصوير امتعاضي، وقد كان ردّها سبباً لهذه التدوينة. شكراً لك من جديد راشيل.

Advertisements

Posted on 29 سبتمبر, 2014, in Uncategorized. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: