الاسلام المعتدل!؟

 تتوالى الأحداث الأمنية والسياسية والعسكرية في هذا الجانب “المضيء والمشعّ” من الكرة الأرضية، ولا يكاد يمر يوم من دون ان تسمع فيه عن الإسلام والإرهاب والتطرف وعمليات القتل. وعلى الرغم من أن مسرح العمليات وان كان يجري في محيط ضيّق نسبيا من حيث المساحة والكثافة السكانية مقارنة مع مجمل العالم، والإسلامي منه على الأخص، غير أن الجلبة من هذا المسرح تفوق كل الأصوات الأخرى.

لا شك أن الهمجية التي يتعامل بها ما يسمى بالإسلام السلفي أو الإسلام المتطرف، أو الإرهاب الإسلامي المتطرف، أو أية جماعة إرهابية تتخذ من الإسلام مرجعاً لها، هذه الهمجية مثيرة لدرجة أنها تستدعي الإعلام بأن يفرد لها الصفحات الأولى، بنيّة مبطّنة من كواليس الأمن والسياسة، من اجل تكبير الكبائر وتعظيمها. بالإضافة الى الجماعات التكفيرية هناك العديد من الشخصيات التكفيرية المتفرقة التي وللمصادفة تعيش في دول الصف الأول الأميركي البريطاني الفرنسي، وهي كلها تتفق على ان التكفير جزءاً من سلطتها الأرضية المستمدّة من الوحي الإلهي، وهي تأخذ القرآن بحرفيته والقليل من المفتين المتزمتين الذين لم تكن لهم صلاحية أيام حياتهم فإذا بها مع هؤلاء تنتعش في عصر العولمة الرقمية. فلا يكاد يمر يوم من دون أن تسمع بفتاوى لا تمت الى “روح الإسلام” و “روح القرآن” اذا كان لهما من روح؛ فمن منا لم يسمع بفتاوى تحريم مشاركة المسيحيين بعيد الميلاد، أو تحريم شراء أشجار والزينة الميلادية وتزيين منازل “المسلمين” فيها، وأخيراً وليس آخراً فتوى تحريم صنع “رجل الثلج”… من دون تعليق.

في مقابل الضجة التكفيرية في هذه المساحة العملياتية الصغيرة لا تكاد تسمع ولو وشوشة، أي كلام مما اصطلح على تسميته ب”الإسلام المعتدل”. قبل أن أكتب هذه النقالة قمت ببعض البحث الغوغلي لكي أتعرّف على تعريف واضح للإسلام المعتدل، وكل ما وجدته يصلح للإستنتاج بأن الإسلام المعتدل مفهوم حديث طابعه سياسي فضفاض قابل للموت في أي لحظة لأنه لا يستمد من الكتاب ولا من الفقهاء الأوائل أية شرعية، وينحصر بمجمله بأسلوب عيش وتفكير وممارسة للوقوف بوجه التطرف السياسي الإسلامي. ومع فقدان الشرعية “الكتابية” و”الفقهية القديمة” حاولت بعض المؤسسات الدينية من إضفاء “بعض” الشرعية عليه من خلال خطب المفتين “الرسميين” والأزهريين او بعضهم حتى، من دون نتيجة تذكر: فالمؤسسات الدينية أيضاً لا تعترف بالإسلام المعتدل ولا تجد له سبباً للوجود غير الوقوف الآني بوجه التطرف التكفيري، وكل امر إضافي هرطقة لا بد من محاربتها، فالإسلام دين ودنيا. والحق يقال أن الإسلام المعتدل خُلق مشوّها وما زال يستعطي الوجود من داخل النص والمؤسسة الدينيتين وهذا ما لن ينله.

نتيجة لما سبق يمكنني وضع تعريف الإسلام المعتدل كما يلي، مع الاعتذار بأن التعريف شخصي ولا يستمد من أية معارف إسلامية او “مدنية” معيّنة: هو الإسلام الذي لا تُجبر فيه النساء على ارتداء البرقع، ولا يملك فيه أي شخص او شيخ سلطة الإفتاء والتكفير. إنه الإسلام الذي لا يملك سلطة من خارج كنف السلطة او الدولة التي تأويه. هو الحزب السياسي الذي ينمتي اليه المسلم العادي . تعريف ليس متخصصاً أو علمياً لا بل أنه تعريف قاصر عن تفسير بعض الجوانب الأخرى التي تميّز هذا الشعار بالإضافة الى غيره من الممارسات. بالرجوع الى التفسير الواقعي للمفهوم أعلاه، في لبنان مثلاً تيار المستقبل يدّعي أنه يحمل لواء “الإسلام المعتدل”، بينما “حزب الله” لا يعترف بهكذا مصطلح، على حد علمي. أما في السعودية على سبيل المثال، وهي الراعية الرسمية لتيار المستقبل اللبناني، فإن الإسلام المعتدل هو ببساطة “الليبرالية” ومن لا يعرف معجم المصطلحات السعودي فإن الليبرالية تتوازى مع الصهيونية والماسونية والارتداد الديني. ومن هنا تعرف “سياسية” المصطلح وتفاهته. لذلك فسوف أستخدم فيما يلي مصطلح “الإسلام التقليدي” وهو المفهوم الاجتماعي للإسلام المنتشر عند المسلمين في بلاد الشام والمعروف عنه على أنه الأكثر حداثة والقدرة على التحاور مع الآخر وقبوله على مر التاريخ.

وكما قلت سابقاً بأن الإسلام التكفيري يمارس عمله في نطاق ضيق نسبياً غير أن لا أحد يجرؤ على اعتراض صوته ، منذ 11 أيلول 2001 وحتى اليوم وعلى الرغم من التطور العامودي الذي أخذه مسار الأحداث على صعيد تطوّر التكفير الإسلامي وممارساته الشنيعة، فانه لم يقابل بتطوّر مماثل على صعيد الإسلام التقليدي؛ لم يقم هذا الإسلام بالتعبير عن مصادر قوته بطريقة صريحة ولم يعمد الى تحديث الخطاب الدينو-سياسي من اجل ملاقاة المزاج الشعبي العام الرافض للتكفير، وبينما تعامل ب”ديمقراطية” زائدة في بعض الأمور، لم ينجح في استنبات الأنياب الدينية لكي يحارب بها التطرف الديني المدجج من ناحية أخرى، فبقي يتيماً يمارسه العديد على طريقة “التقية” الأقلّياتية. ولعل أبرز الأسباب لعدم استطاعة التيار الإسلامي التقليدي على مقارعة الإرهاب التكفيري (ليس على الصعيد العسكري الأمني) يعود الى:

  1. مع أن الإسلام التقليدي يعيشه الكثير من المسلمين وهو نظام عيش معمول به منذ زمن بعيد، غير أن من أهم صفاته انه قابل للتحلل في فترة قصيرة نسبياً ليحل محله التطرف أو في الظروف غير العادية. فكما أسلفنا إن الإسلام التقليدي هو نظام حياة مسالم غير قابل للتطور عند حدوث الخضات، ولكنه يبقى حياً على نطاق أضيق في تلك الحالة، أي بمعنى آخر لديه قدرات دفاعية وليس هجومية. من اهم خصائصه المسالمة مع الملل الأخرى وعدم القدرة على تحديث النصوص الدينية والممارسات الدينية في الإسلام، فهو يحيا على التقليد ولا يمكن له التحديث، حينئذ سينقلب التقليدي وينفرط عقده لما لهذا الأمر من خطوط حمراء لا يستطيع أحد تجاوزها.
  2. مع أن الإسلام التقليدي ظاهرة اجتماعية، غير انه لا يمكن أن يكون ظاهرة مؤسساتية أو مؤطّرة أو مجتمعية غايتها تحقيق أهداف محددة، وبالتحديد إقامة نظام سياسي عام. فبعد التجارب السياسية الأخيرة في العالم العربي والإسلامي، لا يمكن اعتبار الإسلام التقليدي جهاز قابل للسلطة، وكان عنوانه الفشل الذريع مع محاولات تدمير المدنيب لصالح الديني، وانصبغ بالإسلام السياسي وبالتالي مشروع تطرف أصولي سيقع بين الواجب “المدني” العام وبين الواجب “الديني” العام/الخاص وينتهي بالانحياز بالاتجاه الثاني. لم تستطع أي سلطة إسلامية ان تضمن استمرارية السلطة “المدنية” في مقابل هجمة الطابع الإسلامي لها، باستثناء التجربة التركية الحديثة مع ما طفا على الواجهة من انتقادات للسلطة الحالية التركية. كما ان دور الإفتاء التي تمثل السلطة القائمة في العديد من الدول لا تعدو كونها ناظم إداري وقانوني للهيئات والطوائف الإسلامية في تعاملاتها بين بعض ومع الطوائف والهيئات الأخرى وهي بالتالي غير قادرة عضوياً على لعب أي دور في هذا الاطار غير تحديد مواعيد الإفطار وأعياد المسلمين.
  3. التناقض في التصرفات بين الشخصي الخاص المنفتح وبين العام المجتمعي المتزمّت: فبينما على الصعيد الشخصي يمارس الانسان المسلم حياته (اتحدث عن بعض ولا أعمم) بطريقة مدنية عادية لا بل متحررة في بعض الأحيان، فإن نفس الشخص على الصعيد العام المجتمعي يلتزم الاطار العام وهو الاطار الذي يكون متزمّت في أكثر الأحيان، وهنا يقع التناقض بين الإطار الشخصي للممارسة الدينية والإطار العام الذي يتميّز بالتقوقع النسبي. ومثال ذلك يقوم مسلم بشراء شجرة ميلاد وتزيينها في بيته، وتهنئته المسيحي بعيد الميلاد أو أعياد أخرى مثلا، فهذا ينم عن انفتاح ثقافي على الرأي الآخر وعلى التسامح الإسلامي. اما على الصعيد العام فلا تجد شيخ أو مفتٍ يفتي بعدم تحريم شجرة الميلاد. مثال آخر بيع واستهلاك المشروبات الروحية، اذ ان العديد من المسلمين يشربون ويشترون المشروبات الكحولية غير انه ليس مقبولا وجود محلات بيع مشروبات كحولية في المناطق ذي الغالبية المسلمة، مع الإخذ بعين الإعتبار بأن الأمر هنا نسبي أيضاً. التناقض يقوم في هذه الأمثلة وغيرها بين التصرف الشخصي في أمور دينية محرّم وقبوله اجتماعيا وشخصياً.
  4. في حضرة العام يغيب الخاص: وكما قلت فيما سبق فإن الاطار الخاص للإسلام التقليدي على الصعيد الشخصي هو جد متطور ومنفتح وفيه ممارسات تناقض بطبيعتها ما يقال أو يتم نشره عن الإسلام، غير انها محصورة ولا تؤثر ايجابياً على الإطار العام المجتمعي. لا بل ان الاخير يؤثّر بطريقة معاكسة على الخاص. واكبر مثال على ذلك هو غياب الحراك الاجتماعي العام في مواجهة التكفير الإرهابي؛ فمع ان معظم المسلمين ان لم يكونوا جميعا يعادون التكفير الإرهابي، فلم نسمع أو نرى أو نشهد أية مظاهرة أو تحرّك أو حراك (خارج الصحوات المعروفة المنشأ) في مواجهة الإرهاب التكفيري، منذ أحداث 11 أيلول 2001 وحتى اليوم على الرغم من وقوع مئات الآلاف من الضحايا لهذا الإرهاب التكفيري.

بالإضافة الى ما سبق لا بد من وجود العديد من الأسباب الأخرى التي تضيف على ما أحاول قوله، والمحصلة أن الإسلام التقليدي هو طريقة عيش مسالمة لا تمتلك من أدوات تمكّنها من الهجوم وتحقيق الإنجازات مع قدرة محدودة على الدفاع عندما يحشر في المربع الأخير، أي الدفاع عن الرمق الأخير للحق في العيش. وبذلك يكون الإسلام التقليدي جهاز سلبي يتلقى ولا يتفاعل بالطريقة الأنسب لحماية وجوده وللدفاع عمّا ينادي به هذا الإسلام من روح سمحاء للإسلام تستحق نشرها وتعميمها. أضف الى ذلك بأن الإسلام التقليدي يعجز في الدفاع عمّا يؤمن به سواء مما ورد في الكتاب او في الممارسة اليومية في مواجهة التكفير الأصولي الذي يستمد من ظاهر النص أحكامه؛ فإذا واجه وشكّك فإنه سيهاجم ويشكك بما ورد من ظاهر النص، وهو نص مقدس في جزئيته وفي مجمله، مما يؤدي الى إعطاء التطرف سلطة إهدار الدم عندما يتم التشكيك بالنص، وبالتالي قيام عملية ترهيب جماعية بحق الإسلام التقليدي تؤدي الى ارتداده وتقوقعه كما يحصل الآن.

Advertisements

Posted on 15 يناير, 2015, in سياسة and tagged , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: